محمود عبد الراضى

من حبر الجوابات إلى شاشة الواتساب.. هل جفت المشاعر؟

الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026 09:02 ص


في زمنٍ ليس ببعيد، كان للكلمة وزنٌ يرجح بكفة القلب، وكان الحرف يسير على مهلٍ ليولد مظروفاً معطراً بشوقٍ لا تجاريه عاقبة، كانت "الجوابات" في مصر ليست مجرد أوراقٍ طُويت على عجل، بل كانت وثائق حب، ونبضاً يرتجف على هيئة حبرٍ أزرق، ينتظر صاحبه ساعي البريد كما ينتظر الصائم آذان المغرب؛ ليتلقى رسالةً طال مخاضها بين المكاتب والمسافات.

كانت تلك الرسائل تسكن الأدراج كأمانةٍ مقدسة، تُقرأ عشرات المرات، وتُحفظ تحت الوسائد كأنها تعويذة ضد الغياب.

اليوم، تحولت تلك الملاحم العاطفية إلى نقراتٍ خاطفة على شاشاتٍ زجاجية صامتة، وانكمشت الأحاسيس الفياضة لتستقر داخل تطبيق "الواتساب".

استبدلنا ورق الفلوسكاب بالرموز التعبيرية الجافة، وصار الحب يُختزل في "إيموجي" أحمر، والأشواق تُقاس بمدى سرعة الرد، بل إن أعظم العلاقات باتت تُشنق على مقصلة "علامتي الصح الزرقاوين" حين يتأخر القارئ في الإجابة، لقد حوّلت التكنولوجيا نهر المشاعر المتدفق إلى مجرىً رقمي سريع، ينتهي أثره بمجرد إغلاق الشاشة.

المشكلة لا تكمن في وسيلة النقل، بل في القيمة الإنسانية التي سقطت سهواً في فجوة السرعة.

قديماً، كان كاتب الجواب يسكب فيه جزءاً من روحه؛ يتردد قبل كتابة الكلمة، ويمحو أخرى خوفاً من اللبس، فتخرج السطور محملة بصعوبة الصياغة وصدق التعبير.

أما الآن، فقد أصبحت رسائلنا الفورية تشبه وجبات التيك أواي؛ تُستهلك سريعا وتُنسى أسرع، حتى أضحى التواصل اليومي المتواصل سبباً في الجفاف والتخشب العاطفي، بعد أن فقدت الكلمات طازجيتها ودفئها الصادق.

إن العودة لزمن الجوابات الورقية قد تبدو ضرباً من الفانتازيا في عصر الذكاء الاصطناعي، لكن الحنين إليها ليس مجرد نوستالجيا عابرة، بل هو صرخة احتجاج يطلقها الوجدان البشري ضد آلات التواصل الحديثة التي قسّمت القلوب وأبعدت الأرواح برغم قرب الشاشات.

نعم، وصلتنا الرسائل في ثوانٍ معدودة، ولكن يبدو أننا في الطريق فقدنا أدفأ ما في الحكاية: صدق الانتظار وحرارة اللقاء.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة