حالة من الحراك السياسي والدبلوماسي تشهدها القاهرة في الآونة الأخيرة في ظل تطورات الأوضاع في المنطقة والأزمات الإقليمية انعكاسا للسياسة الخارجية المصري في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، المنفتحة على الجميع وتحرص على كسب وتعزيز وتوطيد العلاقات مع مختلف الدول حول العالم، وهو ما جعل مصر تحظى باحترام وتقدير كبيرين على المستوى الدولي في ظل حالة التوازن والتقارب في العلاقات الخارجية المصرية مع الدول، بما يحقق مصالح الدولة المصرية.
هذه التحركات تعكس مكانة مصر ووزنها وقيمتها كدولة مؤثرة في الأزمات والقضايا الإقليمية والدولية، في منطقة أصبحت فيها الأزمات أسرع من قدرة المجتمع الدولي على احتوائها، وباتت مسألة تدخل الدول الكبرى لتحقيق التهدئة واحتواء الأزمات أمر حتمي وإضرورة لحماية أمن الدول والشعوب، والحفاظ على حركة التجارة والطاقة والملاحة، ومنع المنطقة من الانزلاق إلى دوائر أوسع من الصراع.
وهنا تبرز أهمية التقارب المصري العُماني، ليس باعتباره مجرد علاقة ثنائية مستقرة بين دولتين شقيقتين، وإنما باعتباره نموذجًا مهمًا لدبلوماسية عربية تتحرك في اتجاه مختلف، دبلوماسية تبحث عن مساحات الحوار وسط ضجيج الأزمات والتوترات والتصعيد في المنطقة، وتؤمن بأن إدارة الأزمات لا تكون دائمًا عبر القوة، وإنما أحيانًا عبر القدرة على فتح أبواب التفاوض عندما تبدو الأبواب مغلقة.
فالاتصال الذي جرى خلال الأيام الماضية بين الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، ونظيره وزير خارجية سلطنة عُمان بدر بن حمد البوسعيدي، يعكس بوضوح هذا التوجه، فالمباحثات لم تتوقف عند حدود تبادل الرؤى بشأن تطورات الإقليم، وإنما انطلقت من أولوية واضحة، وهى وقف التصعيد، وإفساح المجال أمام المسار الدبلوماسي، والبحث عن حلول سياسية للأزمات المتشابكة.
وسبق ذلك الزيارة التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي، في شهر مايو الماضي، إلى سلطنة عُمان، والذي التقى خلالها بالسلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، فضلاً على زيارات متعددة من المسؤولين العمانيين إلى القاهرة خلال الآونة الأخيرة، وفي كل مرة تشهد هذه الزيارات واللقاءات الأخوية تأكيد دعم مصر وتضامنها الكامل مع سلطنة عُمان الشقيقة في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وحرص مصر على الحفاظ على استقرار السلطنة والدول العربية وصون سيادتها وأمنها ومقدرات شعوبها.
وأجمع الطرفان في كل المباحثات على عمق الروابط التاريخية والوثيقة التي تجمع بين مصر وسلطنة عُمان، وما يربط الشعبين الشقيقين من أواصر المودة والأخوة، والعلاقات الودية التاريخية التي تربط بين مصر والسلطنة، والتي تشكلت عبر عقود ممتدة من التضامن والتكاتف والوقوف صفاً واحداً ضد الأزمات والتحديات، مع تأكيد حرص مصر على الارتقاء بتلك العلاقات المتميزة بما يحقق مصالح الشعبين الشقيقين والأمة العربية بأسرها.
كما أن السلطان هيثم بن طارق، أشاد بتميز العلاقات المصرية العمانية، وأواصر المودة والأخوة التي تجمع بين الشعبين الشقيقين عبر التاريخ، مؤكداً حرص عمان على تعزيز أطر التعاون القائمة بين البلدين وفتح آفاق جديدة للتعاون الثنائي بينهما في كافة المجالات، وذلك للبناء على النتائج الإيجابية التي تحققت في هذا الصدد، فضلاً عن مواصلة التشاور والتنسيق بين الجانبين حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، خاصةً في ضوء ما تمثله مصر من عمق استراتيجي وثقافي للأمة العربية، وعنصراً أساسياً في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة
فالقاهرة تمتلك ثقلًا سياسيًا وإقليميًا يجعلها طرفًا رئيسيًا في أي تحرك يستهدف احتواء أزمات المنطقة، بينما تتمتع مسقط بخبرة طويلة في بناء قنوات اتصال هادئة مع أطراف متعددة، وهو ما يمنح التنسيق بين البلدين قيمة تتجاوز العلاقات الثنائية إلى مساحة أوسع تتعلق بأمن واستقرار الإقليم.
واللافت أن الحديث المصري العُماني تناول كذلك أمن الملاحة في مضيق هرمز وانعكاسات التوترات على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة، وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن أزمات المنطقة تؤثر على العالم، وأي اضطراب في الممرات البحرية الرئيسية يمكن أن ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والشحن وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية.
ويعد التقارب مع عُمان ليس إلا جزءًا من صورة أكبر للتحرك المصري خلال الفترة الأخيرة، فالقاهرة تتحرك على أكثر من مسار وفي أكثر من اتجاه، وتستقبل بصورة متواصلة قادة ومسؤولين وممثلين عن دول مختلفة، في إطار سياسة تقوم على توسيع دوائر الشراكة والتعاون، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف القوى الدولية.
وهذا التحرك يحمل رسالة واضحة، وهى أن مصر تريد أن تكون حاضرة في صياغة المشهد، لا مجرد متلقية لتداعياته، فالسياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة أصبحت أكثر ارتباطًا بفكرة بناء شبكة واسعة من العلاقات، سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا، والقاهرة تتحرك عربيًا وإفريقيًا وآسيويًا ودوليًا، وتفتح مسارات جديدة للتعاون في مجالات الاستثمار والتجارة والصناعة والطاقة والتكنولوجيا، بالتوازي مع تحركاتها السياسية والدبلوماسية.
وهنا تظهر إحدى أهم ملامح المرحلة الحالية، فالعلاقات السياسية القوية تخلق بيئة أفضل للاستثمار، والتفاهمات الاقتصادية تعزز الاستقرار السياسي، والشراكات التجارية تمنح الدول مصالح مشتركة تجعلها أكثر حرصًا على استمرار الهدوء، ولذلك فإن استقبال مصر لزعماء ومسؤولي الدول المختلفة لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره نشاطًا دبلوماسيًا تقليديًا، وإنما باعتباره جزءًا من إعادة تموضع مصر في خريطة العلاقات الدولية، عبر تنويع الشركاء وتعظيم المصالح المشتركة، وتحويل الحضور السياسي إلى فرص اقتصادية وتنموية.
وفي قلب هذا المشهد تأتي سلطنة عُمان باعتبارها شريكًا عربيًا مهمًا، تجمعها مع مصر علاقات تاريخية تقوم على الاحترام المتبادل والتنسيق، فضلًا عن تشابه واضح في الرؤية تجاه أهمية الحوار والحلول السياسية ورفض توسيع دائرة الصراع، وربما تحتاج المنطقة اليوم إلى هذا النوع من الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى.
دبلوماسية تبحث عن خفض فاتورة الصراع، ولا تقيس النجاح بعدد البيانات الصادرة، وإنما بعدد الأزمات التي جرى منعها من الانفجار. ولا تنظر إلى العلاقات الدولية باعتبارها تحالفات جامدة، وإنما باعتبارها شبكة واسعة من المصالح والقنوات التي يمكن استخدامها للوصول إلى حلول أكثر استدامة، وهنا تكمن أهمية الدورين المصري والعُماني، فمصر بثقلها وموقعها وخبرتها السياسية وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، وعُمان بخبرتها في الوساطة وفتح قنوات الحوار، تستطيعان معًا تقديم نموذج عربي مختلف في التعامل مع أزمات الإقليم.
وفي زمن تتسع فيه رقعة الأزمات، تصبح الدول التي تستطيع أن تتحدث مع الجميع، وتبني جسورًا بدلًا من الجدران، أكثر تأثيرًا من الدول التي تكتفي برفع سقف الخطاب، ومصر من خلال تحركاتها الدولية المتسارعة تؤكد أنها تريد أن تكون في قلب هذه المعادلة؛ حاضرة سياسيًا، منفتحة اقتصاديًا، وقادرة على استخدام علاقاتها المتنوعة للدفع نحو إقليم أكثر استقرارًا، في وقت بات فيه الاستقرار نفسه أحد أهم مقومات حماية الاقتصاد ومستقبل الشعوب.