لم تعد مواجهة التطرف وجماعة الإخوان الإرهابية تقتصر على ملاحقة التنظيمات وشبكاتها أو تفكيك هياكلها على الأرض، بعدما انتقلت معركة التأثير إلى الفضاء الرقمي، الذي تحول إلى ساحة رئيسية لاستقطاب الشباب وصناعة الوعي وإعادة تقديم الأفكار الأيديولوجية في أشكال جديدة، وهو ما يدفع المؤسسات الدينية إلى تطوير أدوات رقمية قادرة على مواجهة خطاب التطرف والإسلام السياسي، وفي مقدمتها الأفكار التي ارتبطت تاريخيا بجماعة الإخوان.
وتأتي هذه التحركات في ظل اتساع الاعتماد على المنصات الرقمية في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، بما أتاح للجماعات والتنظيمات ذات الطابع الأيديولوجي مساحة أوسع للوصول إلى الشباب والفئات الأكثر عرضة للتأثر، مستفيدة من العزلة الاجتماعية والتفكك الأسري وتراجع بعض أدوار المؤسسات التقليدية، الأمر الذي جعل مواجهة الإخوان لا تتوقف عند حدود العمل الأمني، وإنما تمتد إلى معركة فكرية ورقمية تستهدف تجفيف منابع الاستقطاب وحماية المجتمع من إعادة إنتاج الخطاب المتطرف.
أهمية متزايدة للمنصات الالكترونية في معركة مواجهة الأفكار المتطرفة وحماية الشباب
وفي هذا السياق، أطلقت الأمانة العامة لهيئات الإفتاء في العالم، خلال مؤتمرها الدولي في القاهرة، المرجع الإفتائي الرقمي «حصين» المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب منصة «سكن» التفاعلية، في خطوة تستهدف دعم الأسرة ومواجهة الاستقطاب والتطرف في البيئة الرقمية، بما يعكس توجها نحو استخدام التكنولوجيا في بناء خطاب ديني قادر على الوصول إلى الجمهور في المساحات التي أصبحت محل منافسة بين المؤسسات الرسمية والتيارات الأيديولوجية.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في مواجهة جماعة الإخوان الإرهابية، التي اعتمدت لعقود على أدوات دعوية وتنظيمية وإعلامية لبناء النفوذ داخل المجتمعات، فيما أتاحت البيئة الرقمية إمكانات جديدة لإعادة الانتشار والوصول إلى قطاعات عمرية أصغر، دون الحاجة إلى وجود تنظيمي مباشر، وهو ما يجعل إنتاج محتوى ديني موثوق وسريع وقادر على مخاطبة الشباب جزءا أساسيا من مواجهة محاولات الاستقطاب.
وتؤكد التجارب المرتبطة بمواجهة التطرف الرقمي أن الاستقطاب لم يعد يعتمد فقط على التواصل المباشر، وإنما تطورت آلياته لتشمل المحتوى الرقمي والتأثير العاطفي وتزييف المعلومات وإعادة تشكيل القناعات بصورة تدريجية، وهو ما يمنح المنصات الإلكترونية أهمية متزايدة في معركة مواجهة الأفكار المتطرفة وحماية الشباب من الوقوع في دوائر الاستقطاب.
الإخوان تسعى إلى توظيف المنصات الرقمية في التأثير على الشباب ونشر أفكاره
ويرتبط ذلك بضرورة تعزيز حضور المؤسسات الدينية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتقديم خطاب وسطي قادر على منافسة المحتوى الذي تنتجه الجماعات الأيديولوجية، خاصة أن الإخوان وغيرها من جماعات التطرف سعت إلى توظيف المنصات الرقمية في التأثير على الشباب ونشر أفكارها، وهو ما يجعل صناعة الوعي الرقمي أحد محاور المواجهة الفكرية الحديثة.
ولا تقتصر المواجهة على المحتوى الديني المتطرف بصورة مباشرة، إذ تمتد إلى البيئة التي تسمح بتكوين القناعات تدريجيا وإعادة تقديم الأفكار الأيديولوجية من خلال محتوى اجتماعي أو ديني أو ثقافي، وهي آلية تمثل تحديا أمام المؤسسات الرسمية، خاصة مع قدرة المنصات الرقمية على الانتشار السريع وتشكيل مجتمعات افتراضية مغلقة تساعد على ترسيخ الأفكار وإعادة إنتاجها.
مواجهة جماعة الإخوان معركة ممتدة على مستوى الوعي
وفي هذا الإطار، تصبح مواجهة الإخوان والتيارات المرتبطة بالإسلام السياسي معركة ممتدة على مستوى الوعي، تتطلب تطوير أدوات الخطاب الديني والإعلامي، والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي للوصول إلى الشباب، بالتوازي مع تعزيز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية في بناء مناعة فكرية تحول دون وقوع الأجيال الجديدة في دوائر الاستقطاب.
وفي الوقت نفسه، تظل التكنولوجيا أداة مساعدة وليست بديلا عن المتخصصين في المجال الديني، خصوصا في القضايا التي تتطلب فهما دقيقا للنصوص والواقع، وهو ما يجعل التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى ضوابط تضمن تقديم محتوى موثوق، مع مراقبة الاستخدامات التي يمكن أن تتحول إلى وسيلة لنشر الأفكار المتطرفة أو المعلومات المضللة.
وتكشف هذه التحركات عن تغير طبيعة المواجهة مع الإخوان والتيارات الأيديولوجية، من التركيز على التنظيمات والهياكل والأنشطة المباشرة، إلى مواجهة الأدوات والمنصات التي يمكن من خلالها إعادة إنتاج الخطاب وبناء دوائر جديدة من التأثير، لتصبح حماية الوعي الرقمي وتحصين الشباب والأسرة جزءا رئيسيا من استراتيجية أوسع لمواجهة التطرف والإسلام السياسي.