من أروع ما قال الأديب الكبير نجيب محفوظ "أدب الناس بالحب ومن لم يؤدبه الحب، يؤدبه المزيد من الحب" وهنا أهمية القيم في حياة المجتمعات، مهما كانت متغيرات الحداثة ورونقها، لذلك ندعو في مقالنا هذا، إلى ضرورة تعزيز تربية أجيال جديدة على القيم والعادات والتقاليد المصرية الأصيلة، خاصة أننا في أشد الحاجة لهذه القيم لتماسك المجتمع ووحدته فى ظل حروب الجيل الرابع التي تستهدف طمس هوية المجتمعات وثوابتها القيمية والوطنية.
نقول هذا، في ظل اختفاء كبير لكثير من القيم والمبادئ وسط زيادة التفاهة والسطحية والخوض في قضايا جدلية دون الانتباه إلى أن هناك تحديات وتهديدات تواجه المجتمع في ظل ما يتعرض له العالم من أزمات وتهديدات ومتغيرات تكاد تعصف به بل وبالبشرية جمعاء، لذلك، الكل مسئول، خاصة الإعلام لأن دوره مهم وحيوى، ولأنه إن لم يقم بدوره فسيكون بمثابة سلاح فتاك للهدم، سواء بالتشجيع على الفوضى العبثية والأخلاقية، فبدلا من القيام على تماسك المجتمع يساهم فى تفكيكه، وفى قطع الأرحام، بل يُكرس "قلة الاحترام" من باب الحرية الشخصية، ويساهم فى إرباك المشاهدين في المعتقدات، والموروثات السليمة، ويعمل على تشكيكهم في ثوابتهم وهويتهم وعاداتهم وأخلاقهم.
ما يعنى – ببساطة – حتمية صياغة وعي وطني متكامل يستلهم روائع البناء الفكري ويستثمر طاقات الشباب في مجالات الإنتاج الشامل، لترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية عبر برامج ومبادرات نوعية تستهدف تحسين جودة الحياة داخل القرى والنجوع، وتتكامل الجهود المبذولة لضمان توزيع عادل للخدمات الصحية والتعليمية؛ بغية الارتقاء بالمستوى المعيشي لكل مواطن مصري ينشد مستقبلًا مشرقًا ومستدامًا في شتى مناحي الحياة العامة.
وهذا لا يتأتى إلا من خلال إعلام مسئول ووعى حقيقى بأهمية الحفاظ على المنظومة القيمية، وأن يعلم الجميع أن مخططات هدم الأوطان تبدأ دائما بضرب منظومته القيمية، وبنشر الشائعات فى المجتمعات، وبتزييف الوعى لدى الأفراد، وببث الشكوك بغرض هز الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية، لتصبح المسؤولية الوطنية غاية سامية يسعى الجميع لتحقيقها بكل تفانٍ وإخلاص، لبناء عقل بشرى قادر على صنع المعجزات متسلحًا بالعلم والمعرفة والإرادة؛ لتحقيق الرفاه والازدهار المنشود للوطن لتنعم الأجيال القادمة بمستقبل مشرق يرتكز على دعائم قوية من الاستقرار والازدهار، وتتأصل فيها معاني العطاء والعمل المستمر في صورة واقعية، تلامس احتياجات المجتمع وتلبي تطلعاته المشروعة، نحو غد أفضل يسوده الأمان والرخاء بفضل تضافر الجهود الوطنية.
لنؤكد ما كتبناه فى مقال سابق، أن التوجه الرئاسى لإعادة صياغة المشهد الإعلامي، وتحويله إلى قوة ناعمة تحمي الداخل، وتبني لمصر صورة مشرفة، أمر مُقدر، ويجب استثماره جيدا من خلال وضع استراتيجية جديدة للإعلام تعالج المشهد الإعلامى، وتعمل على ضبطه بشكل يراعى المصالح الوطنية، ويدافع عن أمنها القومى، ويُعبر عن رسالتها وتوجهاتها، ويحصنها من خطورة الآفات الإعلامية والأمراض المجتمعية والعالمية.
وأعتقد، أن البداية، تبدأ، بالتوجه الحازم نحو ضبط المنظومة القيمية في الإعلام ووضع ميثاق إعلامى عصرى، أي إعلام يُراعى المهنية انطلاقا من الحفاظ على القيم المجتمعية والأخلاقية، وهذا لم ولن يتحقق إلا بتغيير المفاهيم الإعلامية الحالية القائمة على "الربح والخسارة" وعلى ما يسمى بالترند ونسب المشاهدة، كعوامل مُستهدفة، لأن هذا هو "الفخ" الذى نقع فيه ويقع فيها إعلامنا منذ 2011، بل أزيد فى القول بأنه هو "الطُعم" الذى يتم اصطيادنا به، فكم من منتديات ومؤتمرات وجوائز مُنحت لإعلاميين واستضافت ما يُطلق عليهم مُذيعين وصحفيين فقط لأنهم يجيدون صناعة الترند، والتفاهة، دون النظر إلى المحتوى وطبيعته، حتى ولو كانوا من مشترى الهواء، لذلك وجود صياغة جديدة في ظل استراتيجية شاملة للإعلام، قطعا تحمى المجتمع من هذه الفخاخ، وتحافظ على المنظومة القيمية من الانهيار، وتمنح صانع القرار سندا يتكأ إليه في ظل أي تحدٍ، فلا ننسى أن العمود الفقرى للجبهة الداخلية هو الإعلام، لأنه هو من يصنع وعيا حقيقيا أو يؤدى إلى تفكك المجتمع"..