أن تفتح مواطنة تقريرها الائتماني لتكتشف مديونية تمويل عقاري تتجاوز 1.7 مليون جنيه، بينما تؤكد أنها لم تحصل على هذا التمويل ولا تعرف كيف سُجل باسمها، فهذه ليست مجرد واقعة فردية مرت وانتهت، بل إنها جرس إنذار حقيقي يكشف عن مشكلة أعمق في هيكل العلاقة بين المشتري والمطور وشركات التمويل.
وقد جاء بيان الهيئة العامة للرقابة المالية، في رده على هذه الشكوى، ليضع يده على جزء جوهري من الأزمة، لكن السوق اليوم بحاجة ماسة إلى ما هو أبعد من مجرد التنبيه التقليدي بضرورة قراءة العقود؛ لأن المشكلة تتجاوز الحرص الفردي إلى إشكاليات تتعلق بالشفافية وتوازن العلاقات التعاقدية.
ففي السيناريو المعتاد، عندما يوقع العميل عقد شراء وحدة بالتقسيط مع المطور، تكون علاقته المباشرة محصورة في هذا المطور، ويسدد له الأقساط المتفق عليها بشكل دوري. غير أنه في حال تضمن العقد نصًا يعطي المطور الحق في إحالة حقوقه المالية إلى طرف آخر، وهو ما يُعرف قانونًا بـ«حوالة الحق»، فإن هذه الحقوق تنتقل إلى شركة تمويل عقاري.
ويلجأ المطورون عادةً إلى هذه الآلية لبيع المديونيات بقيمة أقل، للحصول على سيولة فورية تمكنهم من استكمال التزاماتهم البنائية، بدلًا من القروض البنكية التي قد يواجهون صعوبات في الحصول عليها.
وهنا تحديدًا تبدأ الخطورة؛ فالعميل، في أغلب الأحيان، لا يدرك أن انتقال هذا الحق المالي سيتجاوز مجرد تغيير الجهة التي يتلقى منها إيصال السداد، ليترتب عليه تسجيل مديونية ائتمانية رسمية باسمه لدى شركة التمويل، وتتحول أقساطه المعتادة إلى ملف مفتوح يظهر بوضوح في تقرير الـ«I-Score» الخاص به.
وهذه نقطة جوهرية من الناحية الاقتصادية؛ لأن «المركز الائتماني» للمواطن أصل مالي لا يقل أهمية عن أصوله الأخرى، وهو المحدد الأساسي لقدرته على الحصول على أي تسهيلات ائتمانية أو تمويلات مستقبلًا.
أما السؤال الأكثر تعقيدًا في هذه المعادلة فهو: هل يقرأ العميل بالفعل ما يوقع عليه؟
من الناحية العملية، يدخل المشتري إلى العقد وتركيزه كاملًا ينصب على سعر الوحدة، ومقدم الحجز، وقيمة القسط، وتاريخ التسليم، بينما تتوارى صفحات طويلة من الشروط القانونية المركبة التي تسمح بالمناقلة وإحالة الحقوق.
وحتى لو قرأ العميل هذا البند واستوعب أبعاده، تظل إشكالية اختلال التوازن التعاقدي قائمة؛ إذ هل يملك العميل حق الاعتراض أو التعديل في ظل عقود تتصف بالإذعان وتُفرض كأمر واقع من قِبل شركات التطوير؟
إن السوق العقارية بحاجة مؤكدة إلى شركات التمويل، والمطورون بحاجة دائمة إلى تسييل مستحقاتهم، والعملاء يطمحون دومًا إلى آجال سداد أطول؛ وبالتالي فإن الأزمة ليست في «حوالة الحق» بذاتها، باعتبارها أداة مالية مشروعة، بل في غياب الشفافية الكافية أثناء الانتقال من علاقة تجارية إلى علاقة ائتمانية.
ومن هنا، تبرز الضرورة الملحة لأن يصبح إخطار العميل بالحوالة إجراءً مستقلًا ورسميًا، لا يكتفي بالنصوص الضمنية داخل العقود، مع إيجاد آلية تحقق سريعة تضمن علم المشتري وموافقته قبل قيد أي مديونية باسمه لدى الجهات الائتمانية.
فإذا كان بند واحد قادرًا على تغيير المركز المالي للمواطن بالكامل، فلا يمكن قبول الاستمرار في التعامل معه باعتباره مجرد تفصيلة قانونية صغيرة تُترك في الهامش.