في ماكينة الإخوان الإعلامية، لا تحتاج الكذبة إلى صاحب توقيع أو مصدر معلوم حتى تتحول إلى «حقيقة» مصطنعة، يكفي أن تخرج شائعة من حساب مجهول، ثم تتلقفها الصفحات والمنصات التابعة للجماعة الإرهابية، ويعاد تدويرها عشرات المرات، حتى يبدو الكذب من كثرة التكرار وكأنه خبر موثوق.
وبين صناعة الرواية من الأساس، وإعادة نشرها دون تحقق، تتسع دائرة التضليل ويتحول الجمهور نفسه إلى جزء من ماكينة نشر الأكاذيب.
والأخطر أن هذا السلوك يأتي من جماعة طالما رفعت شعارات دينية وادعت الحديث باسم الإسلام، بينما يقول الله تعالى: «إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ»، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».. فالكذب ليس فقط أن تخترع الرواية، وإنما قد يبدأ كذلك من قرار بسيط: أن تسمعها، ثم تنقلها دون أن تتأكد.
الكذبة لا تحتاج إلى مخترع واحد
صناعة الشائعة لا تقوم بالضرورة على شخص يجلس أمام شاشة ويختلق القصة من الصفر، وإنما يمكن أن تبدأ من معلومة مبتورة، أو صورة خارج سياقها، أو ادعاء بلا مصدر، ثم تتولى منصات أخرى إعادة نشره وتضخيمه وإعادة تقديمه في عناوين مختلفة.
وهنا تصبح المسؤولية مشتركة، فالشخص الذي يعيد نشر معلومة يعرف أنها غير مؤكدة، أو ينقل ادعاء لمجرد أنه يتوافق مع موقفه، لا يمكنه أن يتعامل مع نفسه باعتباره مجرد «ناقل»، لقد أصبح حلقة في سلسلة صناعة الشائعة، وأسهم في وصولها إلى جمهور جديد.
«سمعت» ليست مصدرا للخبر
الحديث النبوي الشريف «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» يضع قاعدة واضحة في التعامل مع الأخبار: ليس كل ما يصل إلى الإنسان يستحق أن ينقله إلى الآخرين.
وهذه القاعدة تتعارض تماما مع أسلوب ماكينة الإخوان الإرهابية التي تعتمد في كثير من خطابها على سرعة التداول قبل التدقيق، وعلى إثارة الانفعال قبل تقديم المعلومة، وعلى تكرار الرواية بدلا من إثباتها. فكل إعادة نشر تمنح الشائعة حياة جديدة، وكل مشاركة توسع دائرة انتشارها، حتى يصبح تصحيحها لاحقا أكثر صعوبة.
من يصنع الشائعة ومن يروج لها.. شركاء في التضليل
المشكلة لا تتوقف عند الصفحة التي اخترعت الادعاء، وإنما تمتد إلى كل من ساهم في ترويجه دون تحقق، فالمعلومة الكاذبة حين تنتقل من منصة إلى أخرى تفقد تدريجيا ملامح مصدرها الأول، وتظهر أمام المتلقي وكأنها صادرة عن مصادر متعددة، بينما الحقيقة أنها رواية واحدة أعيد تدويرها.
وهكذا تتحول ماكينة الشائعات إلى منظومة متكاملة: اختلاق، ثم نشر، ثم إعادة تدوير، ثم تضخيم، ثم ادعاء بأن كثرة التداول دليل على صحة الرواية.
الدين الذي يأمر بالتثبت لا يعرف «انشر وخلاص»
وهنا تظهر المفارقة الأوضح، فالإسلام لم يجعل التثبت من الأخبار أمرا ثانويا، بل وضع ضوابط واضحة للتعامل معها، بينما تسعى ماكينة الإخوان الإرهابية إلى استغلال سرعة المنصات الرقمية لتحويل الانفعال إلى قناعة، والشائعة إلى رواية، والرواية إلى أداة للتحريض والتأثير.
ولا يكفي أن يقول مروج الشائعة: «أنا لم أخترعها»، لأن السؤال الأهم هو: هل تحققت منها قبل أن تنقلها؟
فمن يختلق الكذبة مسؤول، ومن يعرف أنها غير موثوقة ثم يروجها مسؤول، ومن ينقلها بلا تحقق يظل جزءا من سلسلة التضليل، وفي مواجهة ماكينة لا تتوقف عن تدوير الأكاذيب، يبقى الوعي والتثبت ورفض المشاركة في نشر المعلومة المجهولة هو خط الدفاع الأول أمام صناعة الشائعة.