نقلت إحدى المواقع الإخبارية عن صحيفة همشري الإيرانية، تصريحات إعلامية تكشف لماذا لم يُنشر أي تسجيل صوتي لمجتبى خامنئي- المرشد الأعلى. موضحين تخوفاتهم من احتمالات وإمكانات تعقب الملفات الصوتية من أجهزة الاستخبارات، من خلال البصمة الصوتية لمكان وجوده. إضافة إلى تتبع الوقت والتاريخ الدقيق من خلال شبكات الكهرباء، حيث إن التحليل الحيوي للصوت قد يحدد هوية المتحدث وحالته الصحية ومستوى توتره. عند قراءتي لتلك التصريحات، لفتت انتباهي تعليقات المتابعين ومدى سخريتهم من تلك التصريحات الهامة من وجهة نظري. حيث يسخرون من البصمة الصوتية لمكان وجوده، وتحديد هوية المتحدث ونفسيته، وذلك لأنهم لا يعون إلى أن أصواتهم تدل على هويتهم وحالتهم المزاجية. لذلك رأيت أنه من واجبي توعية القراء، وتفسير بعض المعلومات العلمية المعقدة بشكل أكثر تبسيطا.
التحليل الصوتي لأي عينة صوتية يشمل في طياته عدة مراحل وعدة تحليلات وقياسات، وبشكل عام سأحدثكم عن أهم مرحلتين في التحليل الصوتي:
المرحلة الأولى، تتضمن الصوت المسجل للشخص المتكلم، ويؤخذ منها معلومات "لغوية"، من خلال تفريغ محتوى كلامه، واستخراج الخواص الصوتية منه التي تعبر عن قياسات أعضاء نطقه. ومعلومات "غير لغوية" من خلال قياسات توضح طريقة كلامه، وما تدل عليه من صفات الشخص وهويته وحالته الصحية وحالته النفسية وحالته العاطفية، والموقف الحالي له.
أما المرحلة الثانية، فتشمل خلفية العينة الصوتية، أي ما يدور خلف صوت الشخص المتكلم، فتتضمن تلك الخلفية بعض الأصوات المتداخلة التي تعبر عن المكان المحيط بالتسجيل، والتي قديما كان يعتبرها العلماء "ضوضاء". هاتان المرحلتان معا يطلق عليهما "التحليل الحيوي للصوت"، أي تحليل الصوت الحالي والآني في اللحظة الآنية وما يدل عليه من حالة لحظية للمتكلم، وما يعبر عن مكانه في ذات اللحظة.
وكان العلماء يسعون جاهدين، لاختراع برامج وتطبيقات لإزالة تلك "الضوضاء" وفصلها عن تسجيل صوت المتكلم، بحيث تصبح العينة الصوتية منفصلة إلى عينتين متوازيتين، بشكل عرضي، أي، عينة تسجيل صوتي للشخص المتكلم، وعينة تسجيل صوتي للضوضاء! وكانوا يعتبرون أن عينة الضوضاء غير مجدية وليست ذي فائدة بالنسبة للخبير الصوتي. وفي كتابي "بصمة الصوت دورها في الكشف عن الجريمة"، أوضحت أهمية تلك الضوضاء في تحليل العينات الصوتية، وذلك من واقع خبرتي العلمية والعملية في مجال بصمة الصوت. حيث إن في حالة وقوع جريمة، تحليل "الضوضاء" يمدنا بمعلومات غاية في الأهمية حول موقع الحادث وتوقيت الحادث بشكل دقيق. ولكن كيف يحدث ذلك؟.
ببساطة شديدة، يحدث ذلك لأن لكل مكان بصمة سمعية فريدة، مثل البصمة الصوتية للأفراد! تلك البصمة الفريدة، التي تسمعها وأنت داخل مكان معين أو بالقرب منه، ناتجة عن تداخل العوامل الصوتية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في كل مكان. وقد فسرت ذلك، أيضاً، بشكل أكثر تفصيلا، في مقال سابق بعنوان "الهوية الصوتية والبصمة السمعية"، الذي كان يدور حول بصمة الصوت الفريدة للأماكن والأحياء المختلفة في المدينة الواحدة، وكنت أوصيك فيه بأن تركز دائما في "البصمة السمعية" للمكان والموقع الذي توجد فيه، لأن ذلك سيؤثر حتما على حالتك النفسية والعصبية، حيث إن البصمة الفريدة التي تسمعها لكل مكان يمكن أن تؤثر، سلباً أو إيجاباً، على حالتك النفسية والعصبية اللحظية أثناء وجودك في ذلك المكان. مثل المطاعم الصينية الشهيرة، التي تتعمد تشغيل موسيقى مزعجة لتحفيز الزائرين على تناول الطعام سريعا، كي ينتهوا من تناول طعامهم، ويذهبوا، ويدخل غيرهم إلى المطعم.
أنت صديقي القارئ قادر على تحديد البصمة السمعية للأماكن دون أن تشعر، فعلى سبيل المثال، إذا كنت تتحدث مع أحد أصدقائك عبر الموبايل، لأنه تأخر عليك في الوصول لموعدكم، وتقول له "انت فين"، فيرد عليك قائلا "أنا في الطريق إليك"، فترد عليه "أنت شكلك لسه في السرير". فكيف تعرف ذلك؟ تعرف ذلك من خلال صوت الخلفية. حيث إنه من المؤكد أن صوت خلفية الشارع أثناء ذهابه إليك في الطريق، مختلفة تماما عن صوت غرفة نومه في منزله، وموقع سريره في الغرفة. وهذا مجرد مثال بسيط جدا على بصمة صوت الأماكن، التي تميزها أنت بأذنيك، بشكل يومي وبشكل تلقائي جدا! فتصور معي صديقي القارئ، كيف يكون الحال بالنسبة للمتخصص وأدواته المتطورة، وكيف يكون الحال إذا كان الأمر متعلق موضوع سياسي هام ومسألة أمن قومي بالنسبة لفرد أو لدولة!
فإذا كان للتصريحات، السابق ذكرها في بداية المقال، أهمية من وجهة نظري، فهي تعبر عن مدى تطور إيران ومدى تعمقها في العلوم الدقيقة، ومدى وعيهم للعلوم المتطورة التي قد يستخدمها غيرهم لإيذائهم، وكيفية تعاملهم بشكل شديد الحزم مع تلك العلوم لتجنب مخاطرها. هذا المقال ليس دفاع عن شخص أو دولة وليس له علاقة بأي أراء سياسية، ولكنه كما ذكرت في البداية مقال توعوي من الدرجة الأولى ممزوج باستغراب من مدى جهل وتَغَيُب بعض الشعوب في مقابل مدى تطور ووعي شعوب أخرى! ولكن هذا هو واقع العالم!