حين تعجز الجماعات الإرهابية عن تقديم جريمتها بصورتها الحقيقية، تبدأ معركة أخرى لا تقل خطورة عن الفعل نفسه، وهي معركة تغيير أسماء الأشياء. فالتخريب يتحول إلى «مقاومة»، وتعطيل مصالح المواطنين يصبح «ضغطا»، وترويع الآمنين يجري تقديمه باعتباره «مواجهة»، بينما يحاول الخطاب المتطرف إلباس هذه الأفعال عباءة دينية تمنحها مشروعية زائفة أمام المتلقي.
وهنا لا تتوقف خطورة الخطاب عند حدود تبرير الجريمة، بل تمتد إلى محاولة العبث بالمفاهيم الدينية نفسها، عبر اقتطاع كلمات لها سياقات وضوابط واضحة وإعادة توظيفها لخدمة مشروع سياسي أو تنظيمي. فالهدف ليس فقط تبرير التخريب، وإنما تحويل الجريمة في وعي الجمهور إلى فعل يبدو مقبولا أو مشروعا لمجرد أن صاحبه أطلق عليه اسما دينيا.
«المقاومة» لا تمنح التخريب صكا بالشرعية
من أخطر الحيل التي تلجأ إليها التنظيمات المتطرفة إعادة تعريف الأفعال وفقا لما يخدم روايتها. فإذا جرى الاعتداء على منشأة أو تخريب مرفق أو تعطيل طريق أو إرباك حركة المواطنين، يجري البحث عن مصطلح أكثر قبولا من كلمة «تخريب»، فتظهر مفردات مثل «المقاومة» و«المواجهة» و«النضال»، لكن تغيير الاسم لا يغير الحقيقة.
فالمنشأة العامة ملك للمجتمع، وتعطيل المرافق يمس حياة المواطنين، وإتلاف الممتلكات اعتداء على حقوق لا تخص فردا واحدا، وترويع الناس اعتداء على الأمن الذي يحتاجه المجتمع حتى تستقيم حياته. لذلك فإن منح هذه الأفعال أسماء براقة لا يسقط عنها وصفها القانوني ولا يمحو آثارها على الأرض.
تعطيل مصالح الناس.. جريمة يدفع ثمنها المواطن
حين تدعو جماعة إلى تعطيل مصالح المواطنين أو إرباك حركة الحياة اليومية، فهي لا تواجه سلطة أو مؤسسة فقط، بل تضع المواطن نفسه في مرمى الفعل. موظف يتعطل عن عمله، ومريض يتأخر عن الوصول إلى المستشفى، وأسرة تتعطل مصالحها، وعامل يخسر يومه، ومرفق يتوقف عن أداء دوره.
والأخطر أن الخطاب الذي يبرر هذه الممارسات يحاول تحويل المواطن المتضرر إلى مجرد تفصيل هامشي في معركة سياسية، وكأن حقوق الناس يمكن التضحية بها تحت أي شعار. وهذه هي النقطة التي ينكشف عندها التناقض بين الكلام عن الدين وبين السلوك الذي يهدم مصالح الناس ويزرع الفوضى.
ترويع الآمنين ليس بطولة
لا يمكن أن يتحول الخوف الذي يُزرع في نفوس المواطنين إلى بطولة بمجرد تغيير المصطلح. فإثارة الرعب، والاعتداء على الممتلكات، وتهديد الناس، وتعطيل الحياة العامة، كلها أفعال تصنع الفوضى ولا تبني مجتمعا.
والدين الذي يدعو إلى حفظ النفس وصيانة الحقوق لا يمكن أن يكون غطاء لمن يعتدي على الآمنين أو يسعى إلى نشر الخوف بينهم. لذلك فإن محاولة تقديم الترويع باعتباره وسيلة لتحقيق هدف سياسي ليست سوى قلب للحقائق وتزييف للوعي.
«الإفساد» ليس مقاومة.. والقرآن يحسم المعنى
القرآن وضع معيارا واضحا تجاه الإفساد، فقال تعالى:"وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ"، وقال سبحانه: "وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ".
هذه المعاني لا تترك مساحة لتجميل التخريب أو تقديم الفوضى باعتبارها فضيلة. فالإفساد يظل إفسادا، والاعتداء يظل اعتداء، وترويع الناس يظل جريمة، مهما حاول الخطاب المتطرف تبديل الأسماء أو البحث عن مفردات دينية يختبئ خلفها.
معركة المصطلحات.. الوجه الآخر لمعركة الإرهاب
الإرهاب لا يعتمد فقط على القوة أو التخويف، بل يحتاج كذلك إلى رواية تبرر أفعاله أمام جمهوره. ولهذا تصبح اللغة جزءا من المعركة، فكلما نجح في استبدال كلمة «جريمة» بكلمة أكثر قبولا، اقترب من صناعة غطاء نفسي وأخلاقي لأفعاله.
ومن هنا يجب التعامل مع خطاب تبرير التخريب باعتباره جزءا من المشكلة، وليس مجرد تعليق عابر على حدث. لأن تزييف المصطلحات يمهد لتزييف المواقف، ويجعل الجريمة قابلة للتسويق، ويمنح المنفذ شعورا زائفا بأنه يؤدي دورا مشروعا.
الحقيقة أبسط من كل هذه الالتواءات: لا يصبح التخريب مقاومة بتغيير اسمه، ولا يصبح ترويع الناس جهادا، ولا يتحول تعطيل مصالح المواطنين إلى فعل مشروع لأن صاحبه أطلق عليه وصفا دينيا.
فالجريمة لا تتطهر بالمصطلحات، والفساد لا يتحول إلى إصلاح بالشعارات، والدين لا يمكن أن يكون ستارا للفوضى. وبين خطاب يحاول صناعة القداسة حول الجريمة، ونص قرآني يضع الفساد في موضعه، تبقى الحقيقة واضحة: من يفسد في الأرض لا يمنحه اسم الدين براءة من فعله.