ليس من السهل أن نتحدث عن تاريخ مصر من دون أن يظهر النيل في الصورة، فالنهر لم يكن مجرد مجرى مائي عبر البلاد، وإنما كان عاملًا أساسيًا في تشكيل جغرافيتها، ونظامها الزراعي، واستقرار سكانها، ثم في إنتاج الحضارة التي نشأت على ضفتيه.
وبمناسبة عيد وفاء النيل، أعاد الدكتور أسامة طلعت، رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، فتح صفحات من هذا التاريخ خلال لقائه مع الإعلامية منى الشاذلي، مستعينًا بما تحتفظ به الهيئة من كتب ومخطوطات ورسومات ووثائق توثق علاقة المصريين بالنهر عبر آلاف السنين.
النهر العظيم.. الذي أعطى اسمه
أشار طلعت إلى أن المصريين القدماء لم يعرفوا النهر بالاسم العربي الحالي «النيل»، وإنما استخدموا أسماء ارتبطت بفكرة النهر العظيم وفي العصر اليوناني ظهر اسم «نييلوس»، الذي تطور لاحقًا إلى "النيل" في العربية.
لكن الأهم من الاسم هو المكانة التي احتلها النهر في حياة المصريين، فقد تشكلت الزراعة حوله، وأصبح توقيت الفيضان وانحساره جزءًا من تنظيم العام الزراعي، كما ارتبطت به أنظمة الري والضرائب والغذاء والاستقرار السكاني.
ولهذا تبدو عبارة المؤرخ اليوناني هيرودوت عن مصر بوصفها "هبة النيل" أكثر من مجرد جملة شهيرة، فهي تعكس إدراكًا مبكرًا للعلاقة بين النهر والأرض التي قامت عليها الحضارة المصرية.
كيف كان يقاس النيل قديما؟
من أكثر ما يكشف حجم الاعتماد على النيل تاريخيًا قصة مقاييس الفيضان، ويُعد مقياس النيل بجزيرة الروضة، الذي يرجع إلى عام 247هـ/861م، من أبرز الشواهد الباقية على ذلك، وقد أنشئ بأمر الخليفة العباسي المتوكل، وصممه أحمد بن محمد الحاسب، واستخدم لمعرفة مستوى مياه الفيضان وما يترتب عليه من قرارات تتصل بالزراعة والري والضرائب.
لم تكن العملية مجرد النظر إلى النهر وتقدير ارتفاعه، فالمقياس يضم بئرًا مبطنة بالحجر وفي وسطها عمود رخامي عليه علامات للقياس، وكانت المياه تصل إلى البئر من النيل، فيتم تحديد مستوى الفيضان وفق ارتفاعها على العمود.
وكان بلوغ المياه 16 ذراعًا يحمل دلالة خاصة في الوعي المصري التاريخي، إذ ارتبط بكفاية الفيضان وبدء الاحتفال بوفاء النيل.
وهنا تظهر أهمية المقياس فالنهر الذي يبدو طبيعيًا وعفويًا كان بالنسبة إلى الدولة والمزارع نظامًا يمكن قراءته بالأرقام، لأن ارتفاع المياه كان يعني محصولًا محتملًا، وموارد يمكن تقديرها، واستعدادًا لموسم زراعي جديد.
إن قلّ شرق.. وإن زاد غرق
هذه العلاقة تفسر أيضًا لماذا لم يكن ارتفاع النيل بلا حدود خبرًا جيدًا بالضرورة. فالنقص يعني خطر الجفاف وقلة المياه، بينما الزيادة المفرطة قد تعني غمر الأراضي وإتلاف المحاصيل والمنشآت.
وبذلك كان "الوفاء" مرتبطًا بمستوى محدد يحقق التوازن بين الحاجة إلى الماء والخوف من الفيضان المدمر.
من الفيضان إلى السد العالي
بالنسبة إلى الأجيال الحالية، أصبح الفيضان السنوي مشهدًا من الماضي فبعد إنشاء السد العالي في أسوان، توقف مقياس الروضة عن أداء وظيفته الأصلية، وانتهى النظام التقليدي الذي كان يجعل المصريين ينتظرون ارتفاع مياه النيل عامًا بعد عام.
وهنا تصبح الصور والرسومات والأفلام القديمة أكثر من مجرد مواد أرشيفية، إنها تسجل ظاهرة لم تعد الأجيال الجديدة تراها بالطريقة نفسها.
وخلال اللقاء أُشير إلى لقطات أرشيفية تصور فيضان النيل، بما يتيح استعادة مشهد كان جزءًا من الحياة المصرية قبل أن تغير السدود الحديثة علاقة المصريين بالفيضان.
دار الكتب.. النيل محفوظ على الورق
أهمية حديث أسامة طلعت لا تتوقف عند مقياس الروضة، فدار الكتب والوثائق القومية تحتفظ بمواد متعددة تسجل النيل من وجهات نظر مختلفة.
فهناك كتب عن جغرافية النهر ومنابعه وخصائصه، ومؤلفات للرحالة والجغرافيين العرب، فضلًا عن أعمال الرحالة الأوروبيين الذين سجلوا مشاهد النيل ومدنه ومقاييسه بالرسوم والخرائط.
ومن بين المواد التي أشار إليها طلعت "وصف مصر"، العمل الضخم الذي أعده علماء الحملة الفرنسية وسجل جوانب متعددة من مصر، بما فيها الجغرافيا والمدن والآثار والنيل، وتكتسب هذه المواد قيمتها لأنها لا تقدم صورة واحدة للنهر، بل تكشف كيف رآه المصريون والرحالة والمؤرخون والعلماء عبر عصور مختلفة.
كما عرض طلعت مخطوطًا يتناول أخبار النيل وخصائصه، مؤكدًا أن الكتابات القديمة لا تتعامل مع النهر بوصفه ظاهرة طبيعية فقط، وإنما بوصفه عنصرًا حاضرًا في الاقتصاد والمجتمع والتاريخ.
النهر الذي غيّر شكل الحضارة
وتطرق طلعت في حديثه إلى أن الإنسان المصري تعامل مع جغرافيا النهر، وطوّر أدوات للزراعة ورفع المياه وقياس الفيضان، ونظم حياته وفق مواسمه، ثم ترك وراءه آثارًا وكتابات وصورًا تحكي هذه العلاقة.
وتؤكد المصادر الرسمية أن عيد وفاء النيل، الذي يوافق 15 أغسطس من كل عام، يستند إلى علاقة ممتدة بين المصريين والنهر وإلى الدور الذي لعبه في بناء الحضارة المصرية.
ومن هنا تصبح دار الكتب والوثائق جزءًا من هذه الحكاية، فهي لا تحفظ كتبًا عن النيل فحسب، بل تحفظ ذاكرة علاقة طويلة بين الإنسان المصري والنهر.