في موقع الفسطاط بالقاهرة، تبرز شظايا الخزف الصيني التي يعود تاريخها إلى حقبتي أسرتي "تانج" (618-907) و"تشينج" (1644-1911) كشاهد حي ودائم على حضارتين عريقتين، وفي كتابه "تشو فان تشي" (سجل البلدان الأجنبية)، وصف "تشاو رو كو" وهو مسئول تجارة بحرية في عهد أسرة "سونج" الجنوبية (1127-1279) مصر ومدينة الإسكندرية الساحلية، مقدماً سرداً لافتاً عن البرج العظيم الواقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط: منارة الإسكندرية، وقد استمد "تشاو" معلوماته تلك من التجار والخرائط والروايات التي وصلت إلى موانئ جنوب الصين.
وبعد مرور قرون، لم تعد مصر مجرد فكرة بعيدة في كتاب صيني؛ إذ يعمل علماء الآثار الصينيون الآن على الأراضي المصرية جنباً إلى جنب مع نظرائهم المصريين للكشف عن بقايا واحدة من أقدم حضارات العالم وتوثيقها وحمايتها.
بعثة مشتركة
في عام 2018، أطلق معهد الآثار التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ووزارة السياحة والآثار المصرية أول بعثة أثرية صينية-مصرية مشتركة ورسمية.
على مدار سبعة مواسم أثرية وأكثر من 300 يوم من العمل الميداني، قام الفريق الصيني-المصري بالتنقيب في معبد "مونتو" بمجمع معابد الكرنك في الأقصر، ودراسة معالمه المعمارية، وترميم القطع الأثرية، وإنشاء سجلات رقمية وشملت الاكتشافات هياكل المعبد، وبحيرة مقدسة، وتمثالاً برونزياً للإله "أوزيريس".
بالنسبة لـ "ليو جين هو"، الأستاذ المشارك في كلية دراسات الدول والمناطق بجامعة الشمال الغربي في مدينة شيان بمقاطعة شنشي، فإن أهمية المشروع تتجاوز مجرد القطع الأثرية التي تم استردادها.
وصرح "ليو" لصحيفة "تشاينا ديلي" قائلاً: "إذا أرادت الصين شق طريقها في مجال علم المصريات، فإن علم الآثار الميداني يُعد أمراً جوهرياً؛ فبدون وثائق ومواد أثرية نابعة من العمل الميداني المباشر، سنظل دائماً تابعين للآخرين".
قد نجح هؤلاء الخبراء في فك رموز هيروغليفية قدمت أدلة جوهرية لتحديد طبيعة المعبد، كما اكتشفوا منطقة سكنية مبنية من الطوب اللبن وعثروا على العديد من المقتنيات اليومية التي تعكس استمرارية الحضارة المصرية عبر العصور.
وفي عام 2025، وقّع المركز الوطني الصيني للآثار والمجلس الأعلى للآثار في مصر مذكرة تفاهم بشأن الآثار البحرية والتراث الثقافي المغمور بالمياه.