لم تعد معركة السوشيال ميديا مجرد سباق على نشر منشور يحقق آلاف التفاعلات، وإنما أصبحت في بعض الحالات معركة أخرى تدور حول هوية من يقف خلف الحساب، فالمستخدم قد يتابع صفحة تبدو اجتماعية أو خدمية أو شخصية، ثم يجد محتواها يتغير تدريجيًا، لتتحول من مساحة عادية إلى منصة تحمل رسائل سياسية واتجاهات محددة، وتكمن الخطورة في أن المواطن لا يتعامل مع الرسالة باعتبارها صادرة عن جهة سياسية معروفة، وإنما يتلقاها من حساب اعتاد متابعته، وهو ما قد يمنح المحتوى قدرًا من الثقة قبل أن يسأل صاحبه عن المصدر أو يبحث عن الحقيقة بنفسه.
البداية ليست دائمًا سياسية
قد تبدأ الصفحة بمحتوى بعيد تمامًا عن السياسة، فتتحدث عن موضوعات اجتماعية أو قضايا يومية أو تقدم نفسها باعتبارها مساحة للنقاش والمشاركة، ومع الوقت تجمع عددًا من المتابعين الذين أصبحوا يعرفونها ويتفاعلون معها باستمرار، ثم يتغير اتجاه المحتوى تدريجيًا، فتدخل القضايا السياسية والأحداث العامة، وتبدأ الصفحة في تقديم تفسير واحد للأحداث، وتكرر الرسائل نفسها بصورة مستمرة، حتى يشعر المتابع أن هذا هو الرأي الطبيعي أو السائد،وهنا تكمن إحدى أخطر نقاط التأثير، لأن المواطن قد لا ينتبه إلى أن الصفحة التي بدأ متابعتها من أجل محتوى عادي أصبحت تقدم له محتوى مختلفًا تمامًا.
تغيير الاسم يغير الانطباع
تستطيع الحسابات على منصات التواصل تغيير أسمائها وصورها وطريقة تقديمها، وهو ما يجعل المتابع الجديد يرى صفحة مختلفة عن الصورة التي كانت عليها في البداية، ولا يعني تغيير الاسم وحده أن الحساب مضلل، لكن التغيير المفاجئ المصحوب بتحول كامل في طبيعة المحتوى يجب أن يدفع المواطن إلى التوقف قليلًا وعدم التعامل مع الصفحة باعتبارها مصدرًا ثابتًا للمعلومات، فالتاريخ الرقمي للحساب قد يكشف أحيانًا أن الصفحة لم تكن دائمًا كما تبدو الآن.
الثقة تأتي أولًا.. والرسالة بعدها
تعتمد بعض أساليب التأثير الرقمي على بناء علاقة طويلة مع الجمهور قبل الانتقال إلى الرسائل الأكثر حساسية، فتبدأ الصفحة بمحتوى يجذب المتابعين، وتستخدم لغة قريبة منهم، وتناقش مشكلات يومية، وتظهر باعتبارها مساحة مفتوحة للجميع، ثم يصبح الجمهور الذي تم جمعه خلال هذه المرحلة هو نفسه الجمهور الذي يستقبل الرسائل الجديدة، وبذلك لا تبدأ عملية التأثير من الصفر، لأن الصفحة لديها بالفعل جمهور يعرفها ويتفاعل معها، وهو ما يجعل الرسائل الجديدة قادرة على الوصول إلى عدد أكبر من الأشخاص.
المواطن الغلبان.. إزاي يحمي نفسه؟
مش مطلوب من المواطن يكون خبيرًا في التكنولوجيا أو محللًا سياسيًا عشان يعرف يفرق بين المعلومة الحقيقية والمحتوى المضلل، لكن المطلوب منه ألا يمنح أي صفحة مجهولة ثقة أكبر من الأدلة التي تقدمها، وأول خطوة بسيطة هي ألا يتعامل مع اسم الصفحة أو صورتها باعتبارهما دليلًا على المصداقية، وأن ينظر إلى تاريخ الحساب وطبيعة المحتوى الذي نشره من قبل، خصوصًا إذا لاحظ تغييرًا مفاجئًا في الاسم أو الاتجاه، وعندما يقرأ المواطن خبرًا مهمًا، يستطيع أن يبحث عنه في المواقع الرسمية والجهات المختصة بدلًا من الاكتفاء بمنشور على فيسبوك أو رسالة متداولة في جروب واتساب، كما يجب ألا يشارك أي منشور لمجرد أنه أغضبه أو أخافه أو جعله يشعر بأن هناك شيئًا خطيرًا يحدث، لأن الانفعال أحيانًا يجعل الإنسان يشارك المعلومة قبل أن يعرف إذا كانت صحيحة أم لا.
عدد المتابعين مش شهادة ثقة
يجب أن يتوقف المواطن أيضًا عن اعتبار عدد المتابعين دليلًا على صحة المحتوى، فالحساب الذي لديه مليون متابع ليس بالضرورة أكثر صدقًا من حساب لديه ألف متابع، والتفاعل الكبير لا يحول المعلومة الخاطئة إلى حقيقة، وقد تنتشر معلومة لأنها مثيرة أو صادمة أو تفتح بابًا للجدل، وليس لأنها صحيحة، لذلك من الأفضل أن يسأل المواطن نفسه قبل المشاركة: مين قال المعلومة؟ جابها منين؟ وهل فيه جهة رسمية أو مصدر موثوق أكدها؟
ما تنشرش حاجة أنت مش متأكد منها
أحيانًا يكون المواطن نفسه، من غير قصد، جزءًا من انتشار المحتوى المضلل عندما يشارك منشورًا لمجرد التحذير منه، فحتى لو كتب: “شوفوا الكلام ده”، فهو بذلك ساهم في زيادة وصول المنشور إلى أشخاص آخرين، ولهذا فإن عدم المشاركة يظل في كثير من الأحيان أفضل من نشر معلومة غير مؤكدة، خصوصًا عندما يكون مصدرها مجهولًا أو عندما تحتوي على اتهامات أو معلومات حساسة.
دور المواطن لا يقل أهمية عن دور المنصات
تستطيع شركات التكنولوجيا تطوير أدوات للكشف عن الحسابات المزيفة والمحتوى المضلل، لكن جزءًا أساسيًا من المواجهة يبدأ من المستخدم نفسه، فكل مرة يرفض فيها المواطن مشاركة معلومة مجهولة المصدر، وكل مرة يبحث فيها عن الحقيقة من جهة مختصة، وكل مرة يتوقف فيها قبل الضغط على زر المشاركة، فهو يقلل من فرصة انتشار الرسالة التي يحاول صاحبها دفعها إلى أكبر عدد ممكن من الناس، ولا يحتاج الأمر إلى وقت طويل؛ أحيانًا دقيقة واحدة من البحث كفيلة بأن تكشف أن الخبر قديم، أو أن الصورة خارج سياقها، أو أن المعلومة لم تصدر أصلًا عن الجهة التي ينسبها إليها المنشور.
الوعي هو خط الدفاع الأول
تتغير أدوات التأثير على الإنترنت باستمرار، ولم يعد التضليل يعتمد فقط على معلومة مختلقة أو صورة مزيفة، وإنما يمكن أن يبدأ من صناعة هوية للحساب نفسه، ثم بناء جمهور حول هذه الهوية، وبعد ذلك توجيه المحتوى في اتجاه معين، وفي مواجهة هذه الأساليب، يصبح الوعي بالمصدر جزءًا أساسيًا من الوعي بالمعلومة، لأن معرفة “مين قال؟” لا تقل أهمية عن معرفة “قال إيه؟”، وفي النهاية، لا يجب أن تمنحنا الصفحة التي نتابعها ثقة بلا حدود، ولا أن يجعلنا عدد المتابعين نتعامل مع أي حساب باعتباره حقيقة مطلقة. فالسوشيال ميديا مساحة مفتوحة يستطيع فيها أي شخص أن يصنع اسمًا وصورة وجمهورًا، لكن المصداقية الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين، وإنما بالمعلومة التي يمكن التحقق منها والمصدر الذي يمكن الرجوع إليه.