في قراءة دقيقة لمسار بناء الدولة، كشفت رؤية فخامة الرئيس الثاقبة بوضوح عن التداعيات السلبية التي أعقبت الأحداث السياسية العاصفة خلال الفترة من عام 2011 حتى أ2013 التي أسفرت عن انكماش اقتصادي ملحوظ يحتاج إلى جهود جبارة للتعافي لفترة تصل لخمسة عشر عامًا، وتلك المرحلة العصيبة شهدت غيابًا واضحًا لمؤسسات الدولة فمهدت الطريق لإنشاء السد الإثيوبي الذي لم يكن ليقام لولا هذه الظروف الاستثنائية القاسية، وهذا الثمن الباهظ الذي دفعته مصر وفقًا لتشخيص سيادته يؤكد ضرورة الحفاظ الدائم على الكيان الوطني وتماسك بنيانه لتفادي تكرار الأزمات الخطيرة لاحقًا، فالشعب الأبي يدرك التحديات ويمتلك الجاهزية للوقوف صفًّا واحدًا دفاعًا عن مقدراته؛ ليبقى الرفض القاطع لأي محاولة للتفريط بأمنه القومي الشامل هو عقيدته الراسخة.
وانطلاقًا من هذا الوعي بالتحديات، توالت تحذيرات فخامة الرئيس السيسي بشأن الحروب الحديثة التي اتخذت أشكالًا متطورة تسعى بوضوح لنشر الإحباط واليأس في نفوس المواطنين عبر اغتيال المسئولين معنويًّا وتنفير الكفاءات الوطنية من الانضمام للعمل الحكومي ووقف عجلة البناء والتنمية المستدامة، وهذه المخططات الماكرة توجب على كافة المسئولين التزامًا بتوجيهات سيادته بذل أقصى ما لديهم من جهود مخلصة لخلق عمل مؤسسي متكامل يحرك الطاقات الكامنة ويضمن استقرار الدولة وتماسكها، فالعمل الإيجابي الجاد يترك أثرًا طيبًا لدى الآخرين ويساهم بقوة في بناء مجتمع متماسك عصي على الانكسار أمام التحديات، والمصريون قادرون دائمًا على تجاوز المحن الصعبة وتفكيك التعقيدات الكبيرة بعزيمة لا تلين؛ لتتحطم على صخرة وعيهم كل رسائل الإحباط التي تحاول قوى الشر تصديرها.
وعلى مسار الدبلوماسية المتزنة، أكدت توجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضوح أن خيار السلام الاستراتيجي يعد مسارًا ثابتًا للدولة المصرية العريقة، فمصر ليس لديها أية أجندات خفية في تعاملاتها الإقليمية والدولية، وتتعامل بشفافية تامة تنبع من احترام السيادة الوطنية وتجنب التدخل في شؤون الآخرين، والمتابع لتلك التوجيهات الرئاسية يدرك أن الدبلوماسية المصرية تمتلك استقلالية تامة في قرارها الوطني بعيدًا عن الاستقطاب أو التبعية لأي قوى خارجية، وهذا التوجه يحافظ على الكرامة الوطنية ويعزز من الثقل الجيوسياسي للبلاد في المنطقة، فالقيادة السياسية تحرص دائمًا على تبني فلسفة التوازن الدقيق للحفاظ على مقدرات الوطن وتحقيق التكافؤ الاستراتيجي المطلوب؛ لتظل مصر واحة للسلام في عالم يموج بالصراعات المتتالية والمتسارعة التي تضر بالجميع بلا أي استثناء.
وفي دوائر الأمن القومي المترابطة، تشدد تعليمات الرئيس السيسي دومًا على ضرورة الحفاظ على أمن واستقرار الأشقاء في دول الخليج العربي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وتبرز توجيهاته أهمية حماية حرية الملاحة في الممرات البحرية وفقًا لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فالتوترات الإقليمية الحالية أسفرت عن خسارة قناة السويس لنحو عشرين مليار دولار من عوائدها، وهذا يبرهن على خطورة التدخلات الخارجية التي تستنزف مقدرات الشعوب وتعرقل مسيرات التنمية الشاملة، فالدولة المصرية القوية تقف بالمرصاد لكل من يحاول المساس بأمن المنطقة وتتجنب المهاترات العقيمة التي تضر بالمصالح المشتركة، وتمضي في عملها الجاد لحماية محيطها الاستراتيجي من أية تهديدات محتملة تعكر صفو العلاقات الممتدة والتاريخية بين الأشقاء العرب.
ولتعزيز هذا الدور المحوري، تستهدف تحركات الرئيس عبد الفتاح السيسي خفض التصعيد في المنطقة لتجنب ويلات الاقتتال الإقليمي الذي ألقى بظلاله السلبية على الاقتصاد المحلي، فأسعار السلع الأساسية والبترول ارتفعت متأثرة بتلك النزاعات المتصاعدة التي ترهق كاهل المواطنين، وتوجيهات سيادته تؤكد على تبني الدبلوماسية المتزنة التي تعتمد على صوت العقل بعيدًا عن الانفعال والصوت العالي، فالمفاوض المصري لا يقف أبدًا في مربع الضعف أو الاستجداء ولكنه يدافع عن حقوق بلاده مستندًا إلى جذور حضارية ومقدرات وطنية هائلة، وتلك السياسة الناجحة تنال احترام المجتمع الدولي بأسره وتثبت أن الكرامة الوطنية خط أحمر لا يمكن المساس به؛ لتبقى مصر صامدة تحت أية ضغوط اقتصادية أو سياسية طارئة عابرة أو أزمات إقليمية خانقة.
ولأن المكاشفة هي أساس الثقة، تشدد تعليمات الرئيس السيسي دومًا على ضرورة مصارحة الشعب بحجم التحديات المحيطة بملف المياه والمخاطر المتعلقة بنقص الحصص المقررة، والقيادة الرشيدة تؤكد للمجتمع الدولي برمته أن القضية تتجاوز فكرة التنمية لدى الأطراف الأخرى لتصل إلى حدود البقاء والحياة للمصريين، وتلك المكاشفة تعزز من تلاحم الجبهة الداخلية وتقطع الطريق أمام الشائعات المغرضة التي تستهدف إضعاف العزيمة الوطنية، والدولة بمؤسساتها المعنية تتخذ التدابير اللازمة كافة والمشروعة للحفاظ على مقدراتها وتأمين مستقبل أبنائها بعيدًا عن أي تصرفات أحادية تضر بالمنطقة، وهذا الموقف الحاسم يتوافق تمامًا مع المواثيق الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول المتشاركة في الأنهار العابرة للحدود؛ لإرساء مبدأ استراتيجي يضمن تحقيق المنافع المتبادلة دون إلحاق أي ضرر بالآخرين.
ولمواجهة تلك التحديات عمليًّا، تضع خطة الرئيس السيسي التنموية الأمن المائي في مقدمة الأولويات القصوى لدعم التوسع الزراعي وتأمين الغذاء لكافة المواطنين بشتى المحافظات، فالقيادة السياسية وجهت بضرورة تطبيق أحدث نظم الري الذكية وتبطين الترع لتقليل الفاقد من الموارد المائية الثمينة بشكل فعال، وتلك المشروعات القومية الجبارة تبرهن للمجتمع بأسره على أن الدولة لا تدخر جهدًا في تعظيم الاستفادة القصوى من كل قطرة مياه متاحة، والتزام المسئولين بتنفيذ توجيهات سيادته يضمن تلبية الاحتياجات المتنامية الناتجة عن الزيادة السكانية الكبيرة ومسيرة التعمير الممتدة، والمواطن المصري شريك أساسي في هذه المنظومة المتكاملة عبر ترشيد الاستهلاك اليومي؛ ليتحول هذا الوعي إلى حائط صد منيع يساهم في عبور التحديات الراهنة بثبات.
وفي مسارٍ موازٍ ومكمل لبناء الدولة، تربط رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي الاستشرافية دائمًا بين الارتقاء بجدارة التعليم وحفظ الأمن القومي للبلاد من أية مخاطر محتملة قد تعيق مسيرة التنمية المستدامة، فإعداد الكوادر البشرية المؤهلة تقنيًا وعلميًا يخلق حصنًا منيعًا ضد محاولات الاختراق الفكري أو الثقافي التي تستهدف شبابنا عبر الساحات الرقمية المفتوحة وتطبيقاتها الذكية المتعددة، والمدرسة والجامعة ليستا مجرد قاعات لتلقين الدروس وإنما هما مصانع حقيقية لبناء العقول وتشكيل الوجدان الوطني السليم المنتمي لتراب هذا الوطن العزيز، والقيادة السياسية تدعم بلا حدود كل خطوة جادة نحو رقمنة المناهج وتدريب المعلمين لضمان تقديم خدمة تعليمية متميزة؛ لتظل المؤسسة التعليمية قادرة على مواكبة المعايير العالمية بما يليق بمكانة وتاريخ الدولة المصرية العريقة.
ولتأكيد شمولية هذا المسار، أوضحت رسائل فخامة الرئيس السيسي بمنتهى الدقة أن عملية تنمية وتطوير مصر وإنجاز الإصلاح الشامل المنشود تعد مسئولية تشاركية كبرى تقع على عاتق جميع المسئولين والمواطنين على حد سواء دون استثناء، فالدولة بمفردها لا تستطيع بلوغ غاياتها الطموحة دون وجود تلاحم حقيقي بين مؤسساتها الرسمية وأبناء شعبها المخلصين في كافة الميادين ومختلف القطاعات الحيوية، والارتقاء بجودة التعليم يتطلب تضافر الجهود المجتمعية مع الخطط الحكومية لتوفير بيئة داعمة للابتكار والإبداع وتشجيع الطلاب على التفوق المستمر واكتساب المعارف المتجددة، وتلك الشراكة الاستراتيجية الفعالة تولد طاقة عمل جبارة قادرة على تذليل الصعاب وتجاوز العقبات المتراكمة؛ لبناء أساس راسخ يضمن مستقبلًا مشرقًا للأجيال القادمة يعكس عظمة الأمة.
وختامًا لكل هذه الجهود، تضعنا تأكيدات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي المستمرة جميعًا أمام التزاماتنا الأخلاقية والوطنية تجاه الأجيال الصاعدة التي تستحق الحصول على تعليم عصري متطور يخاطب قدراتهم العقلية المتنامية، والمسئولية المشتركة تحتم على كل أسرة مصرية أن تتابع أبناءها وتغرس في نفوسهم قيم الانضباط والجدية لتتكامل أدوارهم مع جهود المعلمين داخل المؤسسات التربوية العريقة في إطار منظومة متناغمة الأركان، والاستفادة القصوى من تقنيات الذكاء الاصطناعي لن تتحقق إلا بوجود إرادة مجتمعية داعمة ومساندة لخطط الإصلاح الشاملة التي تتبناها الحكومة بخطى ثابتة ومدروسة، وتلك الروح الإيجابية الفاعلة تعد الضمانة الأكيدة لتحقيق نهضة تعليمية شاملة؛ لترتقي ببلادنا الحبيبة وتضعها في مصاف الدول العالمية المتقدمة وتضمن لها الريادة المستمرة.