حين يصبح التنظيم بديلا عن الوطن، والولاء للجماعة مقدما على الولاء للدولة، تتحول الشعارات الدينية إلى ستار لمشروع سياسي لا يرى في حدود الدولة الوطنية نهاية لطموحه ولا في مؤسساتها كيانات مستقلة عن حساباته. هكذا يضع إبراهيم ربيع، الخبير في شؤون الإسلام السياسي، والقيادى المنشق، جماعة الإخوان الإرهابية تحت المجهر، كاشفا ما يصفه بجوهر مشروعها القائم على التمكين واستغلال المشاعر الدينية للجماهير للوصول إلى السلطة، مع توظيف المؤسسات والمساحات المجتمعية لخدمة أهداف التنظيم.
ويؤكد ربيع أن خطورة الإخوان، لا تكمن فقط في سعيهم إلى السلطة، وإنما في طبيعة التنظيم نفسه الذي يجعل مصلحة الجماعة الإرهابية ومشروعها أولوية تتقدم على القيم الوطنية والقومية، بما يضع مفهوم الدولة الوطنية في مواجهة مباشرة مع مشروع تنظيمي عابر لحدود الوطن.
التنظيم أولا
قال إبراهيم ربيع، الخبير في شؤون الإسلام السياسي، والقيادي المنشق عن الجماعة، إن جماعة الإخوان الإرهابية لا تنطلق في مشروعها من مفهوم الدولة الوطنية أو الانتماء للوطن، وإنما من عقيدة تنظيمية تجعل تمكين الجماعة الإرهابية والوصول إلى السلطة جوهر مشروعها.
وأوضح "ربيع" خلال تصريحه لـ "اليوم السابع" أن عقيدة الإخوان، قائمة على الانتهازية واستغلال الإيمان الفطري لدى الجماهير من أجل تمكين التنظيم من الوصول إلى السلطة تحت شعار إقامة دولة الخلافة، مشيرا إلى أن الجماعة الإرهابية تسعى في النهاية إلى مشروع تمكين يتعارض مع القيم الوطنية والقومية للدول والمجتمعات.
وأضاف أن هذه الرؤية تجعل الولاء التنظيمي في مقدمة حسابات الجماعة الإرهابية، وتدفعها إلى النظر إلى المجتمع ومؤسساته باعتبارها ساحات يمكن توظيفها لخدمة أهدافها السياسية والتنظيمية، بدلا من التعامل معها باعتبارها مؤسسات وطنية تعمل لخدمة جميع المواطنين.
الدين في الواجهة.. والسياسة في القلب
وأكد ربيع أن أحد أبرز ملامح المشروع الإخواني، يتمثل في ارتداء عباءة الدين لتحقيق أهداف سياسية ومادية، موضحا أن التنظيم استغل المشاعر الدينية لدى الشباب والبسطاء من أجل التوسع والنفوذ.
وقال إن الجماعة الإرهابية وظفت الخطاب الديني باعتباره مدخلا إلى الجماهير، بينما كانت الممارسة على الأرض ذات طبيعة سياسية وتنظيمية، وهو ما يكشف الفارق بين الهدف المعلن والمشروع الحقيقي الذي سعت الجماعة إلى تحقيقه.
وأشار إلى أن الإخوان أصروا على توظيف المساجد والنقابات ومراكز الشباب والمؤسسات المختلفة لأغراض سياسية وتنظيمية، مع إهمال القضايا الفكرية والفلسفية والثقافية الحقيقية، بما يعكس رغبة التنظيم في تحويل المساحات المجتمعية إلى دوائر نفوذ تخدم مشروعه.
مؤسسات المجتمع.. ساحات للتمكين
ويرى ربيع أن التعامل مع مؤسسات المجتمع باعتبارها أدوات يمكن توظيفها سياسيا وتنظيميا يمثل جزءا من مشروع أوسع لبناء النفوذ، حيث لا تكتفي الجماعة بالسعي إلى الحصول على السلطة عبر الانتخابات أو العمل السياسي، وإنما تعمل على بناء حضور ممتد داخل المؤسسات والمساحات المؤثرة في حياة المواطنين.
وبحسب ربيع، فإن خطورة هذا النهج تكمن في تحويل مؤسسات يفترض أن تكون جامعة لكل أبناء الوطن إلى ساحات للاستقطاب، بما يفتح الباب أمام تغليب الانتماء التنظيمي على الانتماء الوطني.
أخلاق التنظيم.. تبريرات جاهزة لكل شيء
وانتقل ربيع إلى البناء الداخلي للجماعة، قائلا إن البناء الأخلاقي داخل التنظيم قائم على الانتهازية والاستغلال، مع وجود تبريرات جاهزة لممارسات وصفها بالكذب ونقض العهود وتشويه المخالفين والاغتيال المعنوي وترويج الشائعات والخيانة.
وأوضح أن الهدف المعلن كان دعويا، لكن الممارسة كانت سياسية، بينما كان الأداء التنظيمي أقرب إلى عمليات التجنيد المغلقة، معتبرا أن هذه الطبيعة التنظيمية ساعدت الجماعة الإرهابية على إحكام السيطرة على أعضائها وتوجيههم لخدمة أهدافها.
وهنا يتضح أن الأزمة ليست مجرد خلاف سياسي مع جماعة الإخوان الإرهابية، وإنما تتعلق بطبيعة منظومة فكرية وتنظيمية تجعل الغاية التنظيمية قادرة على إنتاج مبررات متعددة للممارسة، حتى عندما تتعارض تلك الممارسة مع القيم الوطنية أو الأخلاقية.
من تنظيم واحد إلى مسارات متعددة
وأكد ربيع أن تنظيم الإخوان الإرهابي الذي تأسس في بدايات القرن الماضي خرجت من عباءته تنظيمات ومسارات متعددة، بعضها اتخذ غطاء دعويا، وبعضها اتجه إلى العنف والتشدد، لكن النتيجة النهائية كانت أزمات وصراعات دفعت الشعوب أثمانها الباهظة.
وأضاف أن قراءة تاريخ الجماعة الإرهابية تكشف كيف انتقلت من العمل الدعوي المعلن إلى بناء تنظيم سياسي واجتماعي واسع يسعى إلى النفوذ والتمكين، وكيف أسهمت بنيتها التنظيمية في استمرار تأثيرها عبر مراحل زمنية مختلفة.
رسالة إلى الشباب.. اقرأوا أرشيف الجماعة
ووجه ربيع رسالة إلى الشباب، قائلا: "أنصح الشباب بالعودة إلى أرشيف الجماعة ودراسة ظروف نشأتها ومسارها التاريخي، لأن فهم التاريخ الحقيقي للتنظيم يساعد على فهم سلوك أفراده وأفكاره وممارساته".
وأكد أن مواجهة خطاب الإخوان لا يمكن أن تعتمد فقط على الشعارات المضادة، وإنما تحتاج إلى معرفة تاريخ التنظيم وأفكاره وآليات عمله، حتى يستطيع الشباب التمييز بين الخطاب الديني وبين توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية وتنظيمية.