فى الفصل 125 من كتاب الموتى، هناك نص صريح وواضح يحذر من إيقاف الماء فى مجرى نهر النيل، وإقامة سدود، ووضعها من بين أبرز الخطايا التى تستوجب العقاب فى الدنيا والعالم الآخر، ولهذا لم يكن غريبا أن يتحول احترام الماء والمحافظة على جريانه إلى قضية أخلاقية ودينية تتجاوز حدود الحياة اليومية لتصل إلى لحظة الحساب بعد الموت، الفصل 125 من كتاب الموتى، المعروف بفصل الاعترافات بالنفى أو إعلان البراءة، يصور وقوف المتوفى فى قاعة المحكمة الإلهية، ويعدد الأفعال التى ينفى ارتكابها، ومن بينها عبارتان بالغتا الأهمية، مفادهما أن المتوفى لم يوقف الماء عندما كان ينبغى أن يجرى، وأنه لم يبن سدا أمام الماء الجارى، ولهذا لم يكن غريبا أن يتحول احترام الماء والمحافظة على جريانه إلى قضية أخلاقية ودينية تتجاوز حدود الحياة اليومية لتصل إلى لحظة الحساب بعد الموت.
هذا الفصل ليس مخصصا عن إدارة المياه بالمعنى الإدارى الحديث، وإنما جزء من تصور دينى للحياة والموت يتكئ على مفهوم «ماعت»، إلهة الحق والعدل، حيث يوضع قلب المتوفى على الميزان فى مواجهة رمز «ماعت» بينما يُشرف الإله «أنوبيس» على عملية الوزن، ويتولى «تحوت» إله الحكمة، تسجيل النتيجة، وفى تصوير بردية «آنى» المحفوظة فى المتحف البريطانى يظهر هذا المشهد بكل تفاصيله، بما فى ذلك الكائن المخيف الذى ينتظر أمام الميزان ليلتهم قلب «المذنب» الذى يفشل فى اجتياز الاختبار.
يكتسب هذا النص أهميته من إبراز أن المصرى القديم لم يضع جرائم قتل الإنسان وسرقة ممتلكاته والغش والاعتداء على حقوق الآخرين وحدها فى قائمة الأفعال التى ينبغى أن ينفيها عن نفسه، بل وضع أيضا الاعتداء على حركة المياه، فإيقاف الماء عندما ينبغى أن يجرى أو إقامة سد أمام الماء الجارى يظهران داخل السياق الأخلاقى والدينى نفسه الذى يتناول الاعتداء على الناس والأراضى والممتلكات، مما يكشف حقيقة أن الماء لم يكن مجرد مورد اقتصادى، وإنما كان جزءا من النظام الذى ينبغى للإنسان المحافظة عليه، وألا يفسده.
كما ارتبط الفيضان السنوى لنهر النيل ارتباطا وثيقا بالإله حابى، الذى جسد قوة الفيضان وما يحمله من خصوبة ووفرة، وأن «حابى» كان إلها للفيضان السنوى، وأن المصريين أقاموا شواهد النيل فى جبل السلسلة تكريما له وطلبا لفيضان آمن وغزير يجلب الأسماك والطيور ويدعم الزراعة، أى أن الإله حابى كان يمثل النيل وفيضانه المخصب للأرض.
تعد بردية هاريس الأولى والمراسيم الملكية، وثيقة عظيمة تعود لعصر الملك رمسيس الثالث، وتسجل بشكل مكثف وعلى نطاق واسع، عطايا الملك للمعابد وممتلكاتها ومواردها، بجانب عطايا مخصصة للإله حابى، إله الفيضان، ومن ثم فإن بردية هاريس تعد من أهم الوثائق التى درسها عالم الأثر الأمريكى الشهير، جيمس هنرى بريستد، للكشف عن هذه الحقيقة، وأنها من أكبر البرديات المصرية الباقية، التى تبرز أهمية النيل عند المصريين.
الوثائق والشواهد الأثرية تؤكد أن المصريين لم يتعاملوا مع الماء من باب العادات، وإنما كان «النيل» حاضرا فى نصوصهم الدينية والقانونية، إدراكا بأن السيطرة على الموارد يمكن أن تتحول إلى مصدر للظلم، وأن أبرز وأهم كتاب دينى عند المصريين القدماء، وهو كتاب الموتى، يضع حبس الماء أو بناء سدود لمنع جريانه، ضمن الأفعال التى ينفيها المتوفى عن نفسه أمام المحكمة الإلهية، ولذلك تتقاطع الأخلاق والدين حول حقيقة واحدة، وهى أن الماء مورد لا يجوز أن يتحول إلى أداة للفوضى أو الإضرار بالآخرين.
وبما أن المصرى القديم اهتم بالنيل فى كتبه ومعتقداته الدينية، فإنه من غير المستبعد تدشينه لعنات تصيب كل من يحاول أن يعبث به، سواء على الذى يمنع جريانه بإقامة سدود، أو تلويثه بأى وسيلة من وسائل التلوث، داخليا كان أو خارجيا، مصرى أو أجنبى، وأن هذه اللعنات ستطارده، مثلها مثل «لعنة الفراعنة» التى احتار العلم الحديث والمتقدم فى تفسيرها، وأن هناك وقائع لا تعد ولا تحصى، منسوبة للعنة الفراعنة، إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن المصريين وصلوا من العلم والتقدم فى كل شىء للدرجة التى يقف العلم الحديث عاجزا أمام محاولات إيجاد تفسير علمى واضح لها، فمن أقام سدا لمنع جريان النيل عن المصريين، عليه أن يتحمل اللعنات، التى ستلاحقه حتى فنائه.
هكذا يصبح النيل فى كتاب الموتى أكثر من نهر، وربما تبدو العبارة المنقوشة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام شديدة الحداثة فى معناها الإنسانى، وتتلخص فى المفهوم الآتى: «لا تحبس الماء عن الآخرين، لأن الحياة التى تمنعها عنهم قد تتحول إلى لعنة عليك، وشهادة ضدك يوم الحساب فى العالم الآخر بعد الموت».