على طريقة مدرس الكشكول.. هاربون بالخارج يوزعون وصفات سحرية لإدارة الدولة.. حلول على مقاس الشاشات وشعارات تتجاوز تعقيدات الواقع من وحى خيال الجماعات المتطرفة للحصول على مزيد من التمويل

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 12:00 م
على طريقة مدرس الكشكول.. هاربون بالخارج يوزعون وصفات سحرية لإدارة الدولة.. حلول على مقاس الشاشات وشعارات تتجاوز تعقيدات الواقع من وحى خيال الجماعات المتطرفة للحصول على مزيد من التمويل الاخوان

كتبت إسراء بدر

في عالم الهاربين بالخارج، يبدو أن هناك مدرسة جديدة في التنظير السياسي، لا تحتاج إلى سنوات من الدراسة أو خبرة متخصصة فكل ما يحتاجه صاحبها هو ميكروفون مفتوح وكاميرا جاهزة وقدرة على الانتقال من ملف إلى آخر وكأنه يحمل في رأسه موسوعة متكاملة عن شؤون الدولة والمجتمع.

هنا يظهر نموذج "مدرس الكشكول" الذي يعرف كل شيء ويدرس كل المواد دون تخصص، ويملك إجابة جاهزة عن كل سؤال، ويقدم وصفة سريعة لكل أزمة، من الاقتصاد إلى السياسة، ومن الأسعار إلى التعليم، وصولا إلى إدارة الدولة بأكملها. لا يتوقف كثيرا أمام التفاصيل، ولا يبدو أن هناك ملفا يستعصي على خبرته المعلنة، فكل الأزمات لها عنده حل واحد، وكل المشكلات يمكن اختصارها في جملة حاسمة تصلح عنوانا للحلقة.

"بتاع كله".. خبير الاقتصاد والسياسة وشؤون الدولة

في هذه المدرسة، لا توجد حدود واضحة بين التخصصات، فالشخص الذي يتحدث عن أزمة اقتصادية ينتقل بعدها إلى العلاقات الدولية، ثم يفتح ملف التعليم والصحة، قبل أن ينهي حديثه بتقديم تصور شامل لإدارة الدولة، وكأن الملفات المعقدة مجرد صفحات في كشكول مدرسي، لكل صفحة عنوان وتحته مجموعة من الإجابات المحفوظة، لا تحتاج إلى مراجعة أو تدقيق أو حساب للتكلفة والنتائج، أما السؤال عن الأرقام ومصادر المعلومات وآليات التنفيذ، فيبدو أقل جاذبية من الوصفة الجاهزة التي تمنح صاحبها فرصة للظهور بمظهر العارف بكل شيء.

والحقيقة أن التخصص ليس رفاهية، وأن الاقتصاد لا يدار بالشعارات، والسياسة لا تختزل في جمل حماسية، وإدارة الدول لا تشبه حل سؤال في امتحان يمكن الإجابة عنه من الذاكرة.

روشتات جاهزة.. علاج كل الأزمات في فقرة واحدة
 

تتجلى الظاهرة بوضوح عندما تتحول الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى مساحة لتقديم حلول سريعة، وكأن ارتفاع الأسعار أو تحديات الاستثمار أو مشكلات الخدمات يمكن التعامل معها بقرار واحد أو إجراء سحري لا يحتاج إلى دراسة أو حساب للتبعات.

تظهر وصفة جاهزة لخفض الأسعار، وأخرى لإصلاح الاقتصاد، وثالثة لتغيير السياسات، ثم تأتي الخطة الكبرى لإدارة الدولة، وكل ذلك في خطاب واحد يختصر التعقيدات ويقفز فوق الأسئلة المتعلقة بالتكلفة والبدائل والآثار المحتملة على المواطنين.

وهنا يصبح "مدرس الكشكول" أشبه بمن يوزع إجابات نموذجية قبل أن يقرأ السؤال كاملا، ويقدم الحل قبل أن يشرح المشكلة، ويعلن النتيجة قبل أن يبدأ الاختبار.

بيزنس المشاهدات.. كل أزمة حلقة جديدة
 

مع اتساع انتشار المنصات الرقمية، أصبحت الأزمات مادة متكررة في المحتوى السياسي، وتحولت العناوين الصادمة والعبارات الحاسمة إلى أدوات لجذب الانتباه وزيادة التفاعل، كل أزمة تفتح بابا لحلقة جديدة، وكل تطور يمنح مساحة إضافية للتعليق، وكل ملف يصبح فرصة لاستعراض الخبرة المعلنة، حتى تتداخل حدود التحليل السياسي مع متطلبات صناعة المحتوى وجذب الجمهور.

لكن كثرة الظهور لا تعني بالضرورة عمق المعرفة، وتكرار الحديث عن الأزمات لا يجعل صاحب الميكروفون متخصصا في كل تفاصيلها، كما أن تقييم أي خطاب إعلامي يقتضي التمييز بين المعلومات الموثقة والآراء الشخصية، وبين التحليل القائم على البيانات والوصفات التي تكتفي بإثارة الانتباه دون تقديم أساس واضح لها.

من النقد إلى وصفات بلا حساب
 

النقد السياسي حق أصيل، ومناقشة السياسات العامة ضرورة لأي حوار جاد، لكن الفارق كبير بين طرح بدائل قابلة للنقاش وبين تقديم حلول قاطعة تتجاهل تعقيدات الواقع فمن ينتقد سياسة اقتصادية مطالب بتوضيح البديل الذي يطرحه، ومن يتحدث عن إدارة الدولة مطالب بتقديم تصور متكامل، ومن يقدم وصفة لأزمة اجتماعية عليه أن يوضح آثارها المحتملة على الفئات المختلفة، أما الاكتفاء بتقديم إجابات جاهزة لكل الملفات، فيحول النقاش العام إلى ما يشبه حصة مدرسية لا يسمح فيها إلا بإجابة واحدة، حتى لو كانت القضية أكثر تعقيدا من أن تختصر في سطرين.

كما أن إدارة دولة تحتاج لمتخصصين وليس مجموعة من الفشلة الهاربين الذين خانوا الوطن من أجل الحصول على مزيد من الأموال ويظهروا يتحدثون عن إدارة دولة وهم لا يستطيعون إدارة أمور حياتهم.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة