لا يتوقف الاحتلال الإسرائيلي عن إشعال الأوضاع في المنطقة من خلال مواصلة عمليات البلطجة والانتهاكات الصارخة للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان ضد الشعب الفلسطيني والاعتداء على المقدسات الدينية في القدس، وكأن إسرائيل تريد أن تخرج لسانها للعالم أجمع وتقول إنها لا ترى ولا تسمع أحد، وهذا نتاج حالة الصمت والتخاذل والتواطؤ من جانب المجتمع الدولي ومواقفه المؤسفة والمخزية.
فلم تعد التطورات المتسارعة في الضفة الغربية والقدس مجرد سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية المنفصلة، بل أصبحت مؤشراً خطيراً على مسار تصعيدي يحمل تداعيات تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويمس بصورة مباشرة أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
ومن هنا تأتي أهمية الموقف المصري الرافض للتصعيد الإسرائيلي المتواصل في الضفة الغربية، والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى المبارك تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة المواطنين الفلسطينيين، ورفض القاهرة القاطع للتصريحات الإسرائيلية الداعية إلى توسيع العمليات وتقويض السلطة الفلسطينية، وهو موقف لا يعبر فقط عن دعم مصر التاريخي والثابت للحقوق الفلسطينية، وإنما يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة ما يجري على مستقبل الأمن الإقليمي.
فالمسجد الأقصى ليس مجرد موقع جغرافي أو رمز ديني عادي، وإنما أحد أكثر الملفات حساسية في وجدان المنطقة والعالم الإسلامي أجمع، وأي محاولة للمساس بوضعه التاريخي والقانوني أو فرض واقع جديد داخله يمكن أن تشعل موجات جديدة من التوتر والعنف، بما يصعب احتواء تداعياتها، وهو ما يشعل الأوضاع ويهدد الأمن والسلم في المنطقة.
وقد أكدت الأمم المتحدة أن الوضع في الضفة الغربية يشهد تدهوراً سريعاً، مع تصاعد عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني والقيود على حركة الفلسطينيين، بما يهدد الاستقرار ويقوض فرص إقامة دولة فلسطينية، إلا أن المجتمع الدولي رغم ذلك لا يتحرك لوقف هذه الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية.
الخطورة الحقيقية أن استمرار هذا النهج قد يدفع المنطقة إلى دائرة جديدة من التصعيد يصعب تحديد مداها أو السيطرة على مساراتها، فكلما اتسعت الاعتداءات في الضفة واستمرت الاقتحامات للمقدسات، وتزايدت محاولات فرض الأمر الواقع، تراجعت فرص الحل السياسي، وازدادت احتمالات اتساع دائرة المواجهة والصراع.
كما أن تقويض السلطة الفلسطينية وإضعاف مؤسساتها لا يخدم الاستقرار، بل يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والفراغ، ويجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة، وقد رصدت الأمم المتحدة خلال عام 2026 مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين الإسرائيليين، إلى جانب استمرار التوسع الاستيطاني والقيود على الحركة، ولذلك يجب أن ندرك أن الأمن العربي منظومة واحدة، فما يحدث في فلسطين لا يمكن فصله عن أمن الأردن ومصر ودول الخليج وباقي الدول العربية، كما أن استمرار الحروب والأزمات والتوترات في أكثر من ساحة عربية يخلق بيئة تسمح بتوسع المخاطر وتهديد المصالح والشعوب والدول وتوسيع دائرة الصراعات.
إن القضية الفلسطينية مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن القومي العربي، وباستقرار النظام الإقليمي، وبقدرة الدول العربية على حماية مصالحها ورفض فرض وقائع جديدة بالقوة، فالقضية الفلسطينية ستبقى وستظل هى قضية أو أم القضايا، واستمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية مع استمرار عمليات البلطجة والاعتداءات الإسرائيلية الأخرى في المنطقة وانتهاك سيادة بعض الدول العربية يهدد بإشعال الفوضى في المنطقة وتوسيع نطاق الصراعات والتوترات.
لذا، فإن الدول العربية تحتاج إلى أعلى درجات التنسيق والتماسك والوحدة، ليس فقط في البيانات والإدانات، وإنما في بناء موقف سياسي ودبلوماسي موحد يستطيع التأثير في مسار الأحداث، ويدعم الحقوق الفلسطينية المشروعة، ويمنع تحويل التصعيد إلى أمر واقع دائم، فالوحدة العربية لا زالت حلم نتمنى أن يتحقق.
وقد شهدت الأشهر الماضية نماذج مهمة من التنسيق العربي، من بينها بيانات ومواقف مشتركة شاركت فيها مصر والسعودية والأردن والإمارات وقطر ودول أخرى بشأن الانتهاكات في المسجد الأقصى والضفة الغربية، وهو ما يؤكد أن توحيد الموقف العربي ممكن عندما تتوافر الإرادة السياسية، ومن الضروري البناء على هذا التنسيق وتحويله إلى تحرك عربي أكثر فاعلية، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ويتمسك بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ويرفض أي محاولات لفرض التهجير أو الضم أو تغيير هوية القدس أو تقويض حل الدولتين.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز أهمية الدور المصري باعتبار مصر دولة محورية في المنطقة وصاحبة خبرة تاريخية واسعة في إدارة ملفات الصراع العربي الإسرائيلي، فضلاً عن ثقلها السياسي والدبلوماسي وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف.
وقد جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في سبتمبر الجاري، التأكيد على أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية في المنطقة، وأن إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هى السبيل لتحقيق السلام الدائم والاستقرار في الشرق الأوسط.
وهذا الدور المصري يمثل أحد عناصر التوازن في منطقة تعاني من أزمات متشابكة، ويؤكد أهمية وجود قيادة تتعامل مع التطورات بمنطق الدولة والحفاظ على الاستقرار، بعيداً عن الانفعال أو الحسابات قصيرة المدى، فمصر لا تتحرك من منطلق ردود الأفعال، وإنما من رؤية واضحة تقوم على حماية الدولة الوطنية، والحفاظ على وحدة الشعوب والأراضي، ورفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، والتمسك بالحلول السياسية والقانون الدولي.
إن المرحلة الحالية تفرض على الدول العربية أن تدرك أن التحديات التي تواجهها لم تعد منفردة أو محلية، فالحروب والصراعات والتوترات الإقليمية إلى جانب محاولات تغيير خرائط النفوذ وفرض وقائع جديدة، تجعل من التضامن والتكامل العربي ضرورة لحماية المصالح المشتركة، والقوة العربية الحقيقية لا تعني الدخول في صراعات جديدة، وإنما تعني امتلاك موقف موحد وقدرة على التحرك الدبلوماسي، واستخدام الأدوات السياسية والاقتصادية المتاحة، ودعم الدول الوطنية ومنع تفكك المنطقة إلى بؤر متصارعة.
وفي هذا الإطار، يمكن لمصر أن تواصل دورها المحوري في الدفع نحو تنسيق عربي أوسع مستندة إلى علاقاتها الممتدة مع مختلف الدول العربية، وإلى ثقلها السياسي والتاريخي، وإلى رؤية واضحة بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق مع استمرار الاحتلال أو تجاهل الحقوق الفلسطينية المشروعة.
إن الدفاع عن القدس ليس مسؤولية دولة واحدة، كما أن حماية الأمن العربي ليست مهمة قطر بعينه، إنها مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقاً حقيقياً وتماسكاً سياسياً ووعياً بحجم المخاطر، فالمنطقة تقف أمام اختبار بالغ الصعوبة، وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول التصعيد في الضفة والقدس إلى شرارة لصراع أوسع، لذلك تأتي أهمية الاصطفاف العربي حول ثوابت واضحة وهى (رفض الاحتلال والتهجير والضم، حماية المقدسات، دعم حقوق الشعب الفلسطيني، الحفاظ على الدول الوطنية، ورفض توسيع دائرة الصراع).
وفي ظل هذه التحديات، تظل مصر بما تملكه من ثقل سياسي ودبلوماسي وخبرة تاريخية، مطالبة بمواصلة دورها في الدفاع عن الأمن القومي العربي ودعم القضية الفلسطينية، والعمل مع الأشقاء العرب من أجل موقف موحد يحمي المنطقة من الانزلاق إلى مزيد من الفوضى، فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط حول أرض فلسطينية محتلة،ن وإنما حول مستقبل منطقة بأكملها، وهل تكون منطقتنا أسيرة دوائر التصعيد، أم تمتلك إرادة جماعية تفرض طريق السلام والاستقرار؟.
والإجابة تبدأ من وحدة الموقف العربي، ومن دعم الجهود المصرية الرامية إلى حماية الأمن والاستقرار، والتمسك بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية، وما يرسخ للوحدة والتضامن العربي هو أن مصر لديها قيادة سياسية حكيمة وواعية ومخلصة تبذل قصارى الجهود للتنسيق مع الدول العربية الشقيقة لتوحيد الرؤى واتخاذ مواقف قوية لدعم القضية الفلسطينية وقضايا الدول العربية الأخرى، لحماية الأمن القومي العربي والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.