تستعد لجنة المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بمجلس النواب لفتح عدد من الملفات الاقتصادية والتشريعية خلال دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الثالث، مع اقتراب انطلاق أعمال المجلس مطلع أكتوبر المقبل، وذلك في ضوء الاختصاصات الواسعة للجنة وما شهدته أعمال دور الانعقاد الأول من مناقشات بشأن تمويل المشروعات، ودعم الشركات الناشئة، وتحسين بيئة الأعمال، وتفعيل الحوافز المقررة للقطاع. وتأتي قضية تراخيص المشروعات الصغيرة في مقدمة الملفات التي تفرض نفسها على أجندة اللجنة، إلى جانب التمويل، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، ودعم ريادة الأعمال، وربط المشروعات الصغيرة بسلاسل الإنتاج والأسواق.
تراخيص المشروعات.. إنهاء التعقيدات أمام أصحاب الأفكار
يمثل ملف تراخيص المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر أحد أبرز الملفات المطروحة للنقاش، خاصة مع استمرار الحاجة إلى تسهيل الإجراءات وتحويل منظومة الترخيص إلى مسار أكثر سرعة ووضوحًا أمام أصحاب المشروعات الجديدة والقائمة.
وينظم قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم 152 لسنة 2020 عددًا من الإجراءات الخاصة بالحصول على الموافقات والتراخيص، حيث تلزم اللائحة التنفيذية وحدات تقديم الخدمات بطلب استيفاء المستندات اللازمة خلال خمسة أيام عمل من تقديم طلب الترخيص، وإلا اعتبرت الطلبات مستوفاة ولا يجوز طلب مستندات إضافية بعد انتهاء المدة.
وتشمل المستندات موافقة إدارة التنظيم، وموافقة مركز التراخيص، والحماية المدنية، والبطاقة الضريبية، والسجل التجاري، إلى جانب سند ملكية أو إيجار أو حيازة مقر المشروع وإثبات شخصية صاحب المشروع، مع إمكانية قيام وحدات تقديم الخدمات بالتنسيق مع الجهات المختصة لاستيفاء بعض الإجراءات نيابة عن صاحب المشروع.
ومن المنتظر أن يتركز النقاش حول مدى تطبيق هذه التيسيرات عمليًا، وما إذا كانت الإجراءات على أرض الواقع تتوافق مع فلسفة القانون في تقليل الوقت والتكلفة أمام المستثمر الصغير، إلى جانب رصد أي تعدد في جهات التعامل أو تأخر في إصدار الموافقات.
التمويل.. مواجهة فجوة السيولة أمام المشروعات
يأتي ملف تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر في مقدمة الملفات الاقتصادية التي تملك اللجنة اختصاصًا مباشرًا بمتابعتها، خاصة بعدما ناقشت خلال دور الانعقاد الأول معدلات تمويل القطاع ودور الجهاز المصرفي في توفير الائتمان للمشروعات.
وشهد يونيو 2026 مناقشة اللجنة طلب إحاطة بشأن تراجع الالتزام بالنسب المخصصة لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة داخل القطاع المصرفي، مع بحث آليات تعزيز التمويل وتوسيع قدرة أصحاب المشروعات على الحصول على التمويل اللازم للتأسيس والتوسع. كما ناقشت اللجنة خطة وزارة المالية لدعم القطاع وأوجه التنسيق مع جهاز تنمية المشروعات.
ويحمل دور الانعقاد الجديد أهمية خاصة في متابعة ما تم اتخاذه من إجراءات، ومدى وصول التمويل إلى الفئات المستهدفة، خاصة المشروعات الإنتاجية، فضلًا عن بحث أدوات تمويل أكثر ملاءمة للمشروعات الناشئة والصغيرة التي تواجه صعوبة في توفير الضمانات أو تحمل تكلفة التمويل.
دمج الاقتصاد غير الرسمي.. من النشاط العشوائي إلى الكيان القانوني
يظل ملف الاقتصاد غير الرسمي أحد الملفات الأساسية على أجندة لجنة المشروعات، باعتبار أن اختصاصها يشمل المسائل المتعلقة بالقطاع غير الرسمي وتأهيله وإدماجه في الاقتصاد الرسمي.
وتتجه المناقشات في هذا الملف إلى بحث الحوافز التي يمكن أن تشجع أصحاب الأنشطة غير الرسمية على تقنين أوضاعهم، مع إزالة الأسباب التي تجعل بعض أصحاب المشروعات يترددون في الانتقال إلى المنظومة الرسمية.
ويكتسب الملف أهمية إضافية من ارتباطه بالتراخيص والضرائب والتأمينات والتمويل، إذ إن تقنين النشاط يفتح أمام المشروع فرصًا أكبر للحصول على التمويل والتعامل مع الجهات الحكومية والمؤسسات الكبرى، لكنه في المقابل يتطلب منظومة إجراءات لا تمثل عبئًا إداريًا أو ماليًا يفوق قدرة المشروعات متناهية الصغر.
ريادة الأعمال والشركات الناشئة.. تحويل الأفكار إلى مشروعات
تضع اللجنة كذلك دعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة ضمن الملفات التي حظيت باهتمام واضح خلال دور الانعقاد الأول، خاصة مع مناقشة آليات تنفيذ ما يرتبط بميثاق الشركات الناشئة ودور المجموعة الوزارية لريادة الأعمال.
كما ناقشت اللجنة خطة وأداء جهاز تنمية المشروعات، في إطار دورها الرقابي على الجهات التنفيذية المعنية بالمشروعات وريادة الأعمال والشركات الناشئة، وهو ما يعكس اتساع نطاق الملف من مجرد توفير التمويل إلى بناء بيئة متكاملة تساعد صاحب الفكرة على تأسيس مشروعه ثم الاستمرار والتوسع.
ومن الملفات المرتبطة بذلك دعم ثقافة ريادة الأعمال داخل المؤسسات التعليمية، خاصة أن اللجنة سبق أن ناقشت توصيات تتعلق بإدخال مقررات تطبيقية لريادة الأعمال في المدارس والجامعات، بما يربط التعليم باحتياجات سوق العمل ويشجع الشباب على إنشاء مشروعاتهم بدلًا من الاقتصار على البحث عن فرص العمل التقليدية.
ربط المشروعات الصغيرة بسلاسل الإنتاج والأسواق
الملف الخامس يتمثل في زيادة قدرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة على الدخول في سلاسل الإنتاج المحلية، والوصول إلى الأسواق، والاستفادة من الفرص التي توفرها خطط الدولة لتوطين الصناعة وزيادة الإنتاج المحلي، ولا يقتصر دور اللجنة على مناقشة إنشاء المشروع، وإنما يمتد إلى بحث قدرته على الاستمرار وتحقيق عائد اقتصادي، من خلال توفير بيئة تساعده على التسويق والتوسع، وربط المشروعات الصغيرة بالشركات والمصانع الكبرى، وتعظيم الاستفادة من المنتجات المحلية.
وتأتي هذه الرؤية متسقة مع طبيعة اختصاص اللجنة التي تشمل تشجيع وتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، ودراسة المشكلات التي تواجهها، ومتابعة التشريعات المنظمة للقطاع. كما أن اللائحة الداخلية لمجلس النواب تمنح اللجان النوعية دورًا في متابعة آثار تطبيق القوانين ودراسة مدى توافق القرارات التنفيذية مع أهداف التشريعات.
وبذلك يدخل ملف المشروعات الصغيرة دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الثالث بمجموعة من الملفات المتشابكة، تبدأ من لحظة تأسيس المشروع واستخراج ترخيصه، مرورًا بالحصول على التمويل وتقنين النشاط، وصولًا إلى دعم الابتكار وريادة الأعمال وفتح الأسواق أمام المنتج المحلي. وتبقى مهمة اللجنة خلال المرحلة المقبلة هي متابعة مدى انعكاس التشريعات والحوافز القائمة على الواقع الفعلي لأصحاب المشروعات، ورصد العقبات التي تحتاج إلى تدخل تشريعي أو تنفيذي.