من إدارة الاقتصاد وتحديد السياسات العامة إلى وضع خطط التنمية، يبدو أن الهاربين بالخارج اكتشفوا سر امتلاك الخبرة في كل شيء، دون تخصص أو مسؤولية أو احتكاك حقيقي بتفاصيل الأزمات التي يتحدثون عنها، وجوه تتكرر على الشاشات، وأصوات تتعالى في البث المباشر، و"روشتات" جاهزة تُطرح باعتبارها الحل السحري لكل أزمة "صنعوها بأنفسهم"، في مشهد يكشف كيف تحولت بعض المنصات المعادية للدولة إلى مساحات للاستعراض السياسي وتجارة الأزمات، حيث يصبح كل ملف وطني فرصة جديدة للظهور وجذب المشاهدات، وتتحول معاناة المواطنين إلى مادة للاستهلاك الإعلامي.
وبينما تتطلب إدارة الدول خبرات متخصصة ودراسات دقيقة وحسابات معقدة، يختزل هؤلاء الأزمات في شعارات براقة ووعود سريعة، وكأن الاقتصاد يمكن إصلاحه بتغريدة، والسياسة يمكن إعادة تشكيلها ببث مباشر وهنا تتجلى المفارقة بين من يتحمل مسؤولية الواقع وتحدياته، ومن يكتفي بإطلاق الأحكام من الخارج، دون أن يقدم حسابا واضحا عن دقة ما يطرحه أو نتائج ما يدعو إليه.
سوبرمان الشاشات.. من الاقتصاد إلى السياسة في ليلة واحدة
المفارقة في خطاب هؤلاء الهاربين تكمن في قدرتهم على الانتقال بين مختلف التخصصات دون فواصل أو حدود واضحة، فالهارب الذي يهاجم السياسات الاقتصادية في حلقة، يتحول في اليوم التالي إلى محلل عسكري يتحدث عن تحركات الجيوش، ثم يظهر بعد ساعات ليقدم تصورات سياسية واجتماعية باعتبارها الحل النهائي لأزمات الدولة.
في الملف الاقتصادي، يطرحون وصفات جاهزة لمعالجة التضخم والديون وارتفاع الأسعار، ويتعاملون مع الأزمات المركبة وكأنها معادلات بسيطة يمكن حلها بقرار واحد أو إجراء سريع، متجاهلين تشابك العوامل الاقتصادية المحلية والدولية، وتأثير القرارات على ملايين المواطنين والقطاعات الإنتاجية ويتغافلون أين كانت الاقتصاد المصري في عهد الجماعة الإرهابية وما فعلوه من دمار حقيقي.
وفي السياسة، يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب الرؤية الشاملة، القادرين على تحديد مسار الدولة ورسم مستقبلها، بينما تتكرر في خطابهم اتهامات عامة ومواقف حادة لا تتناسب بالضرورة مع تعقيدات الملفات التي يتناولونها، وهكذا يصبح الهارب خبيرا في «كله»، لا يحتاج إلى دراسة متخصصة أو معرفة دقيقة بتفاصيل الملف، بل ينتقل من موضوع إلى آخر وفق إيقاع المنصة الإعلامية ومتطلبات الخطاب اليومي، في محاولة لصناعة صورة الخبير الذي يمتلك إجابة جاهزة عن كل سؤال.
خبير من خلف الشاشة.. من يراجع الوصفات قبل تصديرها إلى المواطنين؟
تظل المعضلة الأساسية مع "خبراء كل الملفات" هي غياب المعايير الواضحة التي يمكن من خلالها تقييم ما يطرحونه من آراء وتوصيات خاصة أن ماضيهم مُخجل وأرشيفهم تبوح منه رائحة الخيانة، فليس كل من يمتلك منصة إعلامية مؤهلا لتقديم تحليل اقتصادي أو رؤية سياسية، وليس كل من يرفع شعار الدفاع عن المواطن يقدم بالضرورة حلولا قابلة للتطبيق.
فالدول لا تدار بالشعارات، والأزمات لا تحل بالانفعالات، والسياسات العامة لا يمكن اختزالها في وصفات سريعة يطلقها أشخاص من خلف الشاشات دون تحمل مسؤولية ما يطرحونه، ويبقى الفارق واضحا بين من يقدم نقدا يستند إلى المعرفة والحقائق، ومن يحول كل أزمة إلى مادة يومية للظهور والتفاعل، فالمواطن يحتاج إلى معلومات دقيقة ورؤى قابلة للفحص لا إلى خطاب يتنقل بين الملفات بلا تخصص، ويقدم إجابات جاهزة عن قضايا تتطلب دراسة عميقة ومسؤولية حقيقية.