مرت سنوات الطفولة سريعا بضفائرها الساذجة، وانسدل شعرى يداعب نسيم البحر، وكنت ككل بنات بحرى أرسم صورة، كانت ملامحها داخلى على رمال بحر الإسكندرية، ولكن البحر الذى كنت أحبه وأأتمنه على أدق أسرارى، كان يعاندنى بأمواجه المتلاحفة المتعجلة فى حفظ صورتى التى أرسمهما بسبابتى حاضنة بقية أسرارى فى بقية يدى المضمومة بقوة حتى لا تتفلت منها سوى هذه الملامح، ولا يبوح كل سرى، وكنت أظنه هكذا يكتم سرى عندما يرسل أمواجه الهدرة تمحو سريعا هذا الوجه الذى أرسمه، وحتى عندما كنت أطلق لراحة يمينى العنان لتبنى بيتا من رمال ما كنت أحسبه صديق وكاتم للسر، فكان يفعل ما إعتاده مع أحلامى فيأخذها بعيدا عن ناظرى شيئا فشيئا، ويلقى بها فى جوفه، يبتلعها فى نهم، لم يوقفه تحجر عينانى المقتنعة ببراءة أفعال هذا البحر، حتى جئته يوما، وتحدثت إليه بعدما استجمعت كل طاقتى لأتكلم، وكلن على أن أتكلم إليه فهو من يحفظ كل تفاصيل الصورة لهذا الذى رسمته أمامه كثيرا، ويكتم عن الجميع أركان بيتى الذى كنت أتحرك فيه بحرية لم أعشها إلا داخل هذا البيت من رمال شط بحر الإسكندرية، قلت له هذا اليوم أعلن لى عن حبه لى،... وسيتقدم إلى والدى نهاية الأسبوع وبعدها سأعرفه عليك أيها الصديق كاتم السر، سأمسك بيده هنا لنبنى بيتا، ...ونسمى أولادنا، ونتمنى القادم أن يكسوه صفاء السعادة من هذا البحرالصديق، ومع كل موجة كنا نترحل من الإسكندرية، إلى قنا، فجنوب سيناء، وإلى القاهرة، حتى استقر المُقام بنا بأن فرّق بيننا هذا البحر، فكتب علىّ أن أكن فى شاطئه الغربى وحبيبى فى أقصى شرقه فى عريش سيناء، وعندها استدعتنى نسمة من نسمات بحر الإسكندرية لتجعلنى ـ مرة ثانية ـ أشاهد ما اعتاد فعله، وهو يمحو من جديد صورة حبيبى، ويهدم بيت كنت أظنه قد تحصن من غدر موجات هذا البحر، فرسمت له هذه المرة علامة استفهام(؟) والغريب أنه لم يقوى على طمسها وتركها أمام عينى تملؤنى حيرة!...
تحكى السيدة هالة محمد عبد الفتاح المستشار الإعلامي بسويسرا عن بطل قصة حبها وحياتها :"الشهيد البطل محمدهانى مصطفى أحمد يونس، اسمه مركب (محمد هانى) وتاريخ ميلاد حبيبى ٢٢/١١/١٩٦١ له من الإخوة محمد أشرف توأم للشهيد، ومحمد علاء، ومحمد تامر، والأخت الصغيرة منى...
وأراد والده أن تكون أسماء الذكور مركبة، ووالده بابا مصطفى أحمد يونس، توفاه الله بعد استشهاد حبيبى بعامين، ووالدته ماما فاطمه درويش وهى توفت قبل استشهاد حبيبى، ربنا يرحمهم ويسكنهم فسيح جناته، كانا لى نعم الوالدين فلم أشعر يوما معهما إلا وأنا مثل منى أخت حبيبى وابنتيهما، كنت أحبهما ليس فقط لحسن معاملتهما لى، لكن لسبب كان مشترك بيننا وهو حبا فى محمد هانى، فكان بارا بهما لدرجة العبادة، وهكذا كان رحيما عطوفا معى كما العبادة، فاستقامت علاقة الأسرة بجميع أطرافها حبا فى حبيبنا، كثيرا ما كنت أسرح بذاكرتى إلى الماضى القريب كنت أتمنى أن يخطبنى هذا البطل.
لم يلفت انتباهى زيه الشرطى كبقية البنات أو معظمهن، بل كان لحبيبى طلة تُنبىء برجل حقيقى، له من الصفات الحسان والفضائل الكريمة التى لو وزعت على رجال الدنيا لكفتهم، لا أبوح بسر إذ أقل إننى كنت أتمتم فى صلاتى وفى جوف الليل أن يحفظ ربى على نعمته، فكنت أراه نعمة من الله أحمده تعالى عليها مع كل نفس، حبيبى لم يكن يشبه فتى أحلامى بل كان هو الأصل لصور فتيان أحلام كل البنات، كنت أتمنى أن أخفيه عن أعين العالمين حتى لا يراه سواى، حتى تعايشت مع طبيعة الوجود وتعاملت مع حقيقته المفروضة علينا وهى التعايش مع الجميع، ورضيت شيئا فشيئا بشريك لى فى حبيبى فكان يعشق عمله كما يعشقنى أو أقل قليلا، والغريب أننى كنت أشجعه على قضاء وقته بإخلاص فى عمله فمع الوقت تسرب إلى اعتقاد أصبح يقينا مع تجارب الحياة وهو أن علىّ أن أسعده وأنا أرى بشاشة وجهه فى نجاحه بعمله، فكل يوما كان يأتينى بطلته التى عشقتها فيه، وكان السبب فيها هو نجاحه فى عمله، فأذعنت لهذا الشريك ورضيب به، حتى جاءنى شركاء آخرون فى حبيبى، كان يحبهما ويبذل كل طاقته فى اسعادهما والتخطيط فى بناء مستقبلهما، وفى هذا الأمر كان يرفض طريقتى فى التفكير فلم يرض أن يرسم مستقبل أحمد وعلاء الدين على رمال بحر الإسكندرية فكان يحفظ خططه وأسراره بعيدا عن هذا البحر وهذا هو الأمر الوحيد الذى اختلفنا فيه، وكبر أحمد وتخرج من تخصص هندسة الإسكندرية قسم الساعات المعتمدة، ومثل مصر مع فريق من جامعة الإسكندرية بأمريكا حال فوزهم على مستوى جمهورية مصر العربية فى مشروع التخرج وتعيّن فى إحدى شركات الإتصال بالقرية الذكية.
أما علاء الدين حيث درس بسويسرا من أولى ثانوي ولم يتم قبوله بأى من الجامعات المصرية لعدم الاعتراف بشهادة الثانوية من سويسرا فقمت باستكمال تعليمه بجامعات إنجلترا ودرس علوم الفضاء وتم تعيينه بعد تخرجه بهيئة الطاقة والاستشعار عن بعد، هكذا كان يحلم حبيبى لأبنائه، ويكد ويجتهد ليكونا من المتميزين، كما كان دائما ينصحهما: "ليس فقط التفوق الدراسى هو ما اريده لكما! .. بل أيضا التميز، فيجب أن يكون التميز سمة لآداء واجباتكما، وعليكما أن تعلما أن الدراسة لا تتوقف عند مرحلة، فعليكما أن تستكملا دراستكما مرحلة تلى مرحلة دون توقف".. هكذا كان ينصحهما، وكان يؤكد على أن أفعل ذلك النصح باجتهاد معهما، وكنت أقول له: "أنت من ستكمل المشوار معهما، فأنت تجيد التخطيط لتكون متميزا، أما أنا فيكفينى أنك نعمة من الله فأنت كل أملى فى الدنيا".
حتى جاءنى الخبر الذى يشبه موجات النوات الغادرة التى تمحو أحلام البراءة وتجعل من شط البحر ميدان لقتل الأمل، فكان الإتصال من مصر إلىّ وأنا بمقر عملى كمستشارة إعلامية بسويسرا وكان بصحبتى ابنا حبيبى، وقال لى المتصل: "السيدة هالة حرم البطل محمد هانى؟ ...فرددت عليه بفخر، نعم، أنا زوجة البطل محمد هانى، ورفعت بشموخ هامتى لسماء الله، فقال: احتسبيه عند الله من الشهداء، ..البطل كافأة الله تعالى بالشهادة فى أشرف بقعة من أرض مصر، بعريش سيناء" ..وانتهت المكالمة، وما زالت رأسى فى السماء يدور فيها حوارات كثيرة يغلب عليها ما أمرنى به حبيبى، فكان دائما ما يتجاوز بى مرحلة البكاء إلى الإيمان بقضاء الله وقدره فيقول ناصحا: "حبيبتى عندما يأتى البشير قولى (إنا لله وإنا إليه راجعون) ...ولم يتركنى إلا وأنا أردد خلفه (إنا لله وإنا إليه راجعون) ...وهو يربت على كتفى ويقول "أعلم يقينا أن ورائى حبيبة بمئة رجل وأعلم أنك على قدر حبك لى ستصبرى وستكملى مشوارنا مع أبنائنا وأعلم أننى سأظل فى يقظتك كما كنت فى أحلامك".
وبالفعل رددت شفتانى (إنا لله وإنا إليه راجعون) وآمن بها قلبى وانتقلت إلى مصر لإجراءات الجنازة العسكرية، وقتها كان أحمد بالسنة الإعدادى بكلية الهندسة وكان علاء الدين بالثانوية العامة، ومع كل يوم يمر كنت أجدد العهد مع حبيبى ليكونا أبنائه كما أراد وتمنى، ولم يزل تاريخ واقعة استشهاده يتكرر مع كل مرة أحادثه وأنا أنظر لصورته وأتحسس ملابسه بدولابه، كان حبيبى مدون اسمه فى قائمة الاغتيالات الخاصة بالإخوان، حيث كان فى شبابه بالإسكندرية يخرج فى مأمورية أمن دولة كضابط مباحث وكان يقبض على عناصر التكفيريين الإخوان الذين اعتلوا الحكم عند حدوث الثورة ووفقا لما قيل لى كان يحقق فى مقتل الشهيد محمد أبو شقرة ضابط الحراسات الذى كان ضابط الحراسة الخاص بخيرت الشاطر خلال سجنه وخروجه لحضور جنازة والدته، وقد أرسل حبيبى لى صورة من مكان الحادث الذى استشهد فيه الشهيد أبو شقرة، ولم أستوعب سبب وجوده مكان الحادثة ولكن علمت أنه كان يعمل بالمباحث، وأنه كانت لديه تسجيلات لخيرت الشاطر، وقد تم اغتيال محمد أبو شقرة قبل حبيبى محمد هانى بأيام، وما قيل لى من زملائه أنه كان عائد من عمله إلى الاستراحة التى هى فى نهاية شارع مغلق في آخره، وعند دخوله الشارع قفلت عليه سيارة دوبل كابينة بها ثلاثة أفراد مسلحين بالرشاشات وتم التصويب عليه بالرشاشات، بالمناسبة حبيبى هانى كان ميعاد نزوله الراحة يوم اغتياله، والزميل الذى كان من المفروض أن يستلم منه كان مريض، وكان سيحضر زميل آخر من الإسماعيلية، ولكن الزميل إعتذر وعلى آخر وقت حبيبى هاني قرر أن يذهب للعمل مكان زملائه، وقد تم نشر اسم حبيبى على شريط الأخبار بالتلفزيون المصرى وأنه كان رقم ٢ بالقائمة بعد أبوشقرة وكان زميله بالتفتيش رقم ٣ الذي أنقذته الداخلية ولم يذهب لعمله بالعريش بعد الحادث نهائى.
وعن مفارقة الالتحاق بالشرطة، كان أخيه التوأم يريد الالتحاق بالشرطة وأصرت والدته السيدة الفاضلة أن يذهب أخيه هاني معه الذي لم يكن يفكر أساسًا في الإلتحاق حيث كان مجموعه كبيرا في الثانوية العامة وللمفاجأه عند نتيجه القبول أن رفض أخيه التوأم أشرف وقبول محمد هاني وكانت هذه أول مفارقه في حياته، وبدأ حياته الوظيفية في مديرية أمن القاهرة بإدارة شرطة النجدة في ٣٠/٦/١٩٨٣ وتم نقله الإسكندرية بعدها بحوالي خمسة شهور وأصبح ضابط مباحث لنهاية حياته الوظيفية، ثم تم نقله للعمل بإداره التفتيش والرقابة بوزارة الداخلية، ثم نقل لمدينة قنا كمفتش الداخلية لمدة عام ثم مفتش الداخلية بالعريش حيث استشهد بتاريخ ٢٩/٦/٢٠١٣ والأماكن التي خدم بها هى الإسكندرية، وجنوب سيناء تسع سنوات، وأسيوط ثلاثة سنوات، وقنا، وأخيرا العريش التى كان يتمنى الاستشهاد على أرضها".
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)