في كل مرة يخرج فيها أحد الهاربين من الخارج للحديث عن خطة لإدارة الدولة، يظهر السؤال الذي لا يستطيع الخطاب الإعلامي الإجابة عنه وهو أين الخطة؟ ومن يكتبها؟ وهل من كتبها صاحب سجل وطني أم هارب سقط في بئر الخيانة؟
ولكن في محاولة جديدة لإرضاء الممولين يظهر بعض خونة الأوطان يعلنون وجود خطة لإدارة الدولة، ولكن هل يعلموا من الأساس معنى الدولة وقيمة الوطن من أجل الحديث عنه أم أنهم باعوا الوطن من أجل حياة مرفهة في بئر الخيانة، وهل يعلموا معنى خطة؟ أم أن أقصى ما يعلموه هو خطة الهروب من أرض الوطن والارتماء في أحضان الجماعات الإرهابية؟
هذه التفاصيل هي التي تحول الكلام السياسي إلى مشروع قابل للنقاش والاختبار، أما الاكتفاء بعبارة "لدينا خطة" ثم ترك الجمهور أمام عبارات عامة، فيجعل الخطة أقرب إلى "شبح" يظهر في الخطاب ولا يراه أحد على الورق، بل ولم يره أحد ولا حتى من المعلنين عن وجود خطة لأنها ببساطة "الخطة الشبح" التي لا وجود لها سوى في مخيالاتهم يتحدثون عنها لإرضاء مموليهم وكسب مزيد من المال الحرام.
خطة بلا صاحب ولا تفاصيل
المثير في هذا النوع من الخطاب أن كلمة "خطة" أصبحت في حد ذاتها كافية أحيانا لصناعة انطباع بوجود مشروع متكامل، حتى إذا غابت الوثيقة وغابت الأرقام وغابت آليات التنفيذ، يظهر المتحدث أمام الكاميرا يتحدث عن المستقبل، وينتقد الواقع، ويطرح عناوين كبرى، ثم تنتهي الحلقة، ويبقى السؤال معلقا: أين التفاصيل التي يمكن من خلالها اختبار ما قيل؟ وأين الخطة المذكورة أم أن خطة إدارة الدولة لا تنكشف على أحد؟
فإدارة دولة ليست فقرة تلفزيونية، ولا منشورا على منصة إلكترونية، ولا مجموعة عبارات يمكن إعادة صياغتها كلما تغيرت الظروف واحتاج أحد الهاربين لمبلغ مالى فيخرج يتحدث عن خطة ليستلم تحويل بنكي ثمن "هبداته"
من يكتب الخطة؟
أما السؤال الثاني فهو من يقف خلف هذه الخطط التي يتحدث عنها الهاربون؟ هل هناك فريق معلن يعمل عليها؟ هل توجد دراسة مكتوبة؟ هل هناك أرقام وبيانات ومصادر يمكن مراجعتها؟ أم أن الأمر لا يتجاوز أفكارا يطرحها أشخاص على الفضائيات والمنصات، ثم تتولى ماكينة إعادة النشر تحويلها إلى مشروع؟
الاختبار الذي لا تستطيع الشاشة تقديمه
الشاشة تمنح المتحدث مساحة واسعة للكلام، لكنها لا تمنحه بالضرورة أدوات التنفيذ أو حتى فهم حجم ما يقوله ويعلن عنه، فيمكن لمن يجلس في الخارج أن يضع تصورا مثاليا لأي ملف، وأن يتحدث عن الاقتصاد والسياسة والمجتمع، وأن يقدم عشرات الحلول خلال دقائق، لأنه غير مطالب في اللحظة نفسها بتحويل هذه الأفكار إلى قرارات أو تحمل نتائجها وهنا يتحول الحديث إلى "هبدة" عابرة للقارات وليس لها أي علاقة بالوطن ومصالحه، فالدولة ليست ورقة بيضاء، والشعب ليس جمهورا في استوديو، وإدارة دولة بحجم مصر أكبر كثيرا من جملة تتردد على شاشة: "لدينا خطة".