من دوائر جماعة الإخوان الإرهابية إلى واحدة من أهم الوزارات الاقتصادية في مصر، قطع يحيى حامد خلال فترة قصيرة مسارًا سياسيًا لافتًا انتهى به إلى تولي وزارة الاستثمار في مايو 2013، في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ الدولة المصرية الحديث.
ولم يكن صعود حامد إلى المنصب الوزاري منفصلًا عن السياق السياسي الذي شهد توسع نفوذ جماعة الإخوان داخل مؤسسات الدولة خلال فترة حكم الجماعة الإرهابية، بل جاء ضمن منظومة اعتمدت بصورة واضحة على الدفع بعناصر مرتبطة بالمشروع السياسي للجماعة إلى مواقع مؤثرة.
وكان اللافت أن انتقال يحيي حامد، إلى المنصب لم يأت بعد مسار طويل داخل مؤسسات الاقتصاد أو العمل الحكومي التقليدي، وإنما بعد صعود سريع داخل دوائر الحكم في فترة لم تتجاوز عامًا واحدًا تقريبًا من تولي جماعة الإخوان السلطة.
هذه السرعة في الانتقال من العمل السياسي والتنفيذي إلى موقع وزاري شديد الحساسية تفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة تجربة الجماعة الإرهابية في إدارة الدولة، خصوصًا أن الوزارة التي تولى حامد مسؤوليتها لم تكن حقيبة هامشية، وإنما ارتبطت بملف الاستثمار والمناخ الاقتصادي وعلاقة الدولة بالمستثمرين، وهي ملفات تحتاج إلى خبرة مؤسسية واسعة واستقرار سياسي وتشريعي، في وقت كانت فيه مصر تعيش حالة شديدة من الاستقطاب السياسي والاقتصادي.
وكان صعود حامد جزءًا من مشهد أكبر اتسم بمحاولة جماعة الإخوان الإرهابية ترسيخ حضور عناصرها داخل مفاصل الدولة، وهي السياسة التي تعرضت لانتقادات واسعة من خصوم الجماعة والقوى السياسية المعارضة آنذاك.
ولم يستمر المشهد طويلًا؛ فبعد فترة قصيرة في الوزارة انتهى حكم الجماعة الإرهابية، وانتقلت شخصيات وقيادات إخوانية إلى الخارج، ومن بينهم يحيى حامد الذي تحول من مسؤول حكومي ووزير سابق إلى أحد الأصوات السياسية الهجومية من خارج مصر.
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل تجربة حامد محل جدل سياسي مستمر، الرجل الذي جلس يومًا على مقعد وزير الاستثمار، وأصبح جزءًا من منظومة الحكم التي كانت تمتلك مسؤولية مباشرة عن إدارة الدولة، عاد لاحقًا ليقدم من الخارج خطابًا سياسيًا شديد الانتقاد للدولة المصرية.
ولا تتعلق المفارقة فقط بتغير الموقع، وإنما كذلك بالمسافة بين المسؤولية التي كانت ملقاة على عاتقه عندما كان داخل السلطة وبين الخطاب الذي يقدمه بعد مغادرته البلاد، فالوزير السابق كان جزءًا من حكومة تولت إدارة الدولة في مرحلة اقتصادية وسياسية شديدة التعقيد، بينما أصبح بعد ذلك معارضًا يتحدث من خارج المنظومة عن الأوضاع المصرية، وهو تحول يفرض بطبيعته أسئلة حول تقييم التجربة السابقة ومسؤولية أصحاب المناصب عن نتائجها.
كما أن تجربة حامد تكشف جانبًا آخر من تجربة جماعة الإخوان الإرهابية بعد فقدان السلطة؛ إذ لم تتوقف أدوار عدد من عناصرها عند انتهاء وجود الجماعة في الحكم، وإنما انتقل جزء من نشاطهم إلى المجال الإعلامي والسياسي في الخارج، من خلال الكتابة والظهور الإعلامي وتقديم روايات سياسية حول الأوضاع في مصر.
ومن هنا، فإن قراءة تجربة يحيى حامد لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع لصعود جماعة الإخوان الإرهابية إلى السلطة ثم خروجها منها. فالمسار الذي بدأ من دوائر الجماعة، مرورًا بمواقع داخل مؤسسة الحكم، ثم الوصول إلى وزارة الاستثمار، انتهى بالإقامة خارج البلاد وممارسة العمل السياسي والإعلامي المعارض.
وتبقى هذه التجربة واحدة من النماذج التي تعكس طبيعة التحولات السريعة التي شهدتها الحياة السياسية في تفرة حكم الجماعة الإرهابية، ومحاولاتهم السيرطة على مفاصل الدولة، دون ادنى الخبرات، بل لمجرد النهم تابعين للجماعة الإرهابية فقط، وبمجرد انتهاء فترة حكمهم تحول هؤلاء التابيعن لأبواق للجماعة الإرهابية من الخارج يشوهون صورة الدولة ومؤسساتها، في خطوة تسعى منها الجماعة الإرهابية توظيف بعض وجوهها في معركتها السياسية والإعلامية بعد خروجها من السلطة.