من الصومعة إلى العرش المرقسي.. كيف تغيّرت آليات اختيار بابا الكنيسة عبر العصور؟.. هيبة التحول بين زهد الصحراء وثقل العرش البابوي.. التزكية والتوافق الكنسي العصر الذهبي للاختيار الروحي

الأحد، 27 سبتمبر 2026 08:00 ص
من الصومعة إلى العرش المرقسي.. كيف تغيّرت آليات اختيار بابا الكنيسة عبر العصور؟.. هيبة التحول بين زهد الصحراء وثقل العرش البابوي.. التزكية والتوافق الكنسي العصر الذهبي للاختيار الروحي العرش المرقسي

كتب محمد الأحمدى

تدخلات السلطة والتنافس الأسقفي.. صراع اللوائح والقوانين

لائحة 1957 والقرعة الهيكلية.. التسليم للهرب من الضغوط

طقس الجلوس ورهبة المسؤولية.. الراهب حين يصبح أباً لأمة

 

في أقصى سكون الصحراء، حيث تتلاشى أطياف العالم وتصمت الأصوات إلا من همس الصلوات ونشيج التضرع، يعيش الراهب في صومعته العارية من كل زينة. لا يملك من أتاع الدنيا سوى جلبابه الأسود ومسبحته الجلديّة، يرجو ألا يعرف اسمه أحد، ولا يبتغي سوى الموت زاهداً بعيداً عن صخب البشر. وفي لحظة قدرية خاطفة، ينكسر هدوء الليل، ويُفتح باب المغارة لتُساق خطواته النحيلة نحو العاصمة الكبرى؛ لا ليلتقي تكريماً أو يستريح من تعب السنين، بل لِيُلقى على كاهله أثقل تاج كنسي ووطني في التاريخ المصري: الجلوس على سدة كرسي القديس مارمرقس.

إن هذا التحول ليس مجرد انتقال تنظيمـي في الهيكل الكنسي، بل هو زلزال روحاني وإنساني يعيد تشكيل الوجدان كلياً.

فاليد التي ألفت زراعة الحقل وتدوين المخطوطات تحت ضوء شمعة خافتة، غدت مطالبة بمسك عصا الرعاية لقيادة مؤسسة عريقة تمتد جذورها لألفي عام، والعقل الذي اغتسل بالعزلة والتأمل الروحي، أضحى مطالباً بإدارة أزمات المجتمع، والعبور بالرعية وسط تقلبات الرياح السياسية والتحولات الاجتماعية. وعلى امتداد القرون، لم تكن الطريق المؤدية من الصومعة إلى العرش البابوي درباً معبداً بلائحة واحدة، بل كانت ملحمة حية تتغير آلياتها وتتشكل قواعدها مع كل تحول تشهده مصر، لتعكس صراع العصر بين روحانية التسليم التلقائي وبين صرامة التشريعات واللوائح.

 

التزكية والتوافق الكنسي.. العصر الذهبي للاختيار الروحي

في الحقبات الأولى والعصور المتتابعة، كانت آلية اختيار البطريرك تبدأ وتنتهي عند حدود الشفافية الروحية؛ حيث لا توجد صناديق اقتراع ولا ألقاب رسمية مدونة في لوائح، بل قلب جمعي ينبض بالتوافق. كانت الكنيسة تبحث عن أشد الرهبان توحداً وأكثرهم تجرداً، وتجتمع كلمة المجمع المقدس والكهنة والأراخنة على اسمه وكأنه نداء سمائي لا يقبل الجدال.

تجلت روحانية هذا العصر في تجليسة البابا بطرس السابع (الجاولي) - البطريرك الـ 109 (1809م - 1852م). فعندما شغر الكرسي البابوي بنياحة البابا مرقس الثامن، لم تجرِ انتخابات بالمعنى الحديث، بل اتجهت القلوب صوب الراهب "مرقوريوس الأنطوني" المتوحد في دير الأنبا أنطونيوس ببلدة بوش. اختير بالتزكية التلقائية والحب الصادق لما عُرف عنه من نسك غزير ودراية لاهوتية، ليدخل القاهرة في زمن والي مصر محمد علي باشا، ويبرهن أن الراهب الساكن في أحضان الصمت قادر على الوقوف كالجبل الأشم أمام إغراءات الحماية الأجنبية، حامياً لاستقلال كنيسته ووطنه.

وعلى ذات النهج التوافقي، اعتلى الكرسي البابا كيرلس الرابع - البطريرك الـ 110 (1854م - 1861م)، الملقب بـ "أبي الإصلاح". كان راهباً ورئيساً لدير الأنبا أنطونيوس باسم الراهب "داود الأنطوني"، فالتفت حوله رغبة الآباء والأراخنة لمستواه الفكري وعزيمته الاستثنائية. ولم تكن هناك حاجة للائحة معقدة ليدرك الأقباط أن هذا الراهب هو رجل العصر؛ فأنشأ المدارس، وأستورد أول مطبعة أهلية لمصر، وصاغ نهضة تعليمية غيرت وجه الكنيسة.

أما البابا كيرلس الخامس - البطريرك الـ 112 (1875م - 1927م)، فقد قادته التزكية الشعبية والمجمعية من عتمة دير البراموس إلى نور الرعاية؛ إذ عُرف بدأبه الشديد في نسخ المخطوطات بيده حتى أُطلق عليه "يوحنا الناسخ". أجمعت القلوب على اختيار هذا الراهب البسيط لورعه القاطع، ليجلس على عرش مارمرقس لأطول فترة في التاريخ الحديث (أكثر من 52 عاماً)، معايشاً ثورة عرابي وثورة 1919، ومسطراً أسمى ملاحم التلاحم الوطني بين الهلال والصليب.

 

تدخلات السلطة والتنافس الأسقفي.. صراع اللوائح والقوانين

مع مطلع القرن العشرين، واكتساب الدولة المصرية ملامحها المدنية الحديثة، ودخول المجلس الملي العام كشريك فاعل يمثل أعيان الشعب، دخلت طريقة اختيار البطريرك مرحلة جديدة سادها السجال القانوني والسياسي.

ولم يعد المسار محصوراً في إخراج راهب من صومعته، بل برز تيار اصلاحي يرى ضرورة ترشيح الأساقفة والمطارنة ممن مارسوا الإدارة والرعاية الفعلية في الإيبارشيات، ويمتلكون النضج الكافي لمواجهة تقلبات العصر.

انبثق هذا التحول الجذري عند اختيار البابا يؤانس التاسع عشر - البطريرك الـ 113 (1928م - 1942م). فلأول مرة في تاريخ الكنيسة الحديث، كُسر العرف التقليدي الصارم الذي يحظر نقل المطران إلى السدة البابوية؛ إذ كان مطراناً لإيبارشية البحيرة والمنوفية قبل انتخابه. أحدثت هذه الخطوة زلزالاً لاهوتياً وتشريعياً بين محافظين يرون في التقليد الرهباني المباشر خطاً أحمر، وبين إصلاحيين ودوائر رسمية فضلت الاعتماد على خبرة المطران الإدارية.

وتكررت ذات الطريقة الانتخابية المباشرة مع خليفته البابا مكاريوس الثالث - البطريرك الـ 114 (1944م - 1945م)، مطران أسيوط سابقاً، ثم البابا يوساب الثاني - البطريرك الـ 115 (1946م - 1956م)، مطران جرجا سابقاً.

وعكست تلك العقود الأربعة حالة من التجاذب الحاد بين المجمع المقدس والمجلس الملي وتدخلات السلطة السياسية، وهو ما أظهر حاجة الكنيسة الماسّة إلى لائحة انتظامية حاسمة تنهي التخبط وتصون قدسية الاختيار البابوي.

 

لائحة 1957 والقرعة الهيكلية.. التسليم للهرب من الضغوط

لتطهير رحلة الاختيار من أهواء السياسة وتحزب الانتخابات، صُدرت "لائحة نوفمبر 1957م" لتكون الدستور الحاكم لانتخاب البابوات. وضعت اللائحة شروطاً دقيقة لتشكيل هيئة الناخبين من المطارنة والكهنة والأراخنة، إلا أنها توجت هذه العملية بشرط كنسي مهيب يقف حائلاً أمام أي ضغط بشري: "القرعة الهيكلية"، حيث يُترك القرار النهائي لليد الإلهية على المذبح.

تجلت هيبة هذه اللائحة وسحرها الروحي في قصة اختيار البابا كيرلس السادس - البطريرك الـ 116 (1959م - 1971م). عقب خلو الكرسي، أسفرت التصفيات الانتخابية عن صعود ثلاثة مرشحين، كان في مقدمتهم الراهب المتوحد "مينا البراموسي"، الذي عاش معتزلاً العالم داخل طاحونة هواء مهجورة بصحراء مصر القديمة. وفي يوم الأحد المشهود عام 1959م، وسط صلوات الألوف ودموع التوسل، سحبت يد طفل صغير الورقة المسجل عليها اسم "الراهب مينا المتوحد". انتقل هذا الراهب البسيط من عتمة الطاحونة ليقود الكنيسة في أدق مراحل الوطن، ببراعة كنسية وعلاقة إنسانية وتاريخية جمعته بالزعيم جمال عبد الناصر، أثمرت عن تشييد الكاتدرائية المرقسية بالعباسية.

وعلى القواعد التشريعية ذاتها، أُجريت القرعة الهيكلية عام 1971م عقب نياحة البابا كيرلس السادس، لتعلن اختيار الأنبا شنوده أسقف التعليم، ليصبح البابا شنوده الثالث - البطريرك الـ 117 (1971م - 2012م). كان قادماً من مغارة سحيقة يتعبد فيها بدير السريان، فكانت القرعة الهيكلية المزيج المدهش بين الزخم الشعبي والاقتراع وبين الاختيار الإلهي الحاسم، ليقود الكنيسة طوال 41 عاماً خاض خلالها أعتى المعارك الفكرية والسياسية والوطنية بقلب راهب وعقل مفكر.

 

طقس الجلوس ورهبة المسئولية.. الراهب حين يصبح أباً لأمة

تصل هذه الملحمة التاريخية إلى ذروتها الروحية في يوم حفل التجليس؛ حيث تعزف ألحان الفرح الكنسي داخل الكاتدرائية، وتتداخل أصوات الشمامسة بدموع الراهب المختار. يُساق البطريرك نحو المذبح محاطاً بمهابة الأساقفة، وتُتلى عليه التعهدات والصلوات البابوية الشديدة، ثم يُوضع على رأسه الإكليل البابوي الذهبي، ويُجلس على كرسي مارمرقس ليتسلم عصا الرعاية القاطعة.

في تلك اللحظة الجليلة، تذوب اللوائح والتواريخ، ولا يبقى سوى الرهبة الإنسانية المطلقة. فالراهب الذي نذر عمره أن يعيش فرداً، يجد نفسه بين عشية وضحاها أباً وأسقفاً لأمة بأكملها. يدرك أن جدران صومعته القديمة قد تهدمت ليتسع مكانه ويصبح الوطن كله صومعته، وأن كل ثانية في حياته القادمة ستكون ملكاً لرعيته. إنها اللحظة التي تنتهي فيها حياة الراهب الزاهد، لتبدأ رحلة البطريرك القائد، شامخاً تحت ثقل التاج، وحاملاً صليبه البابوي بروحانية لا تنطفئ.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة