هل تساءلت يوماً لماذا نركض نحو سورة يوسف كلما تثاقلت الأوجاع على أكتافنا، وكأنها طوق نجاة أُلقي إلينا في بحر لدنيّ متلاطم؟ إنها ليست مجرد آيات نتلوها، بل هي حضن دافئ لكل قلب مكسور، ورسالة أمل مشفرة تتسلل إلى أرواحنا لتقول بلسان مبين: إن كل دمعة تسقط في الخفاء، هي غرسة لفرح مشهود يسُر الناظرين.
في هذه السورة العظيمة، نتعلم كيف يختبئ الفرج في ثياب الجائحة، وكيف يتحول الجُبّ الظالم إلى درج يوصل إلى أعلى العروش، فالشر الذي نحسبه حافياً ومتربصاً في أول الطريق، ما هو إلا خير محمول على أكتاف القدر ليأتيك متوجاً في النهاية.
في دراما يوسف القرأنية، تتجلى حكمة الله التي تنزع منا تعجلنا وتزرع فينا طمأنينة الرضا؛ تعلمنا ألا نحكم على الحكاية من منتصفها، فما يراه البشر نهاية مأساوية في غيابات البئر، هو في علم الله أول خطوة نحو الريادة وصناعة التاريخ.
تتداعى مؤامرات الإخوة، وتتكشف خيوط الغدر سريعاً ومهما التفت حولها ظنون الكتمان، فالباطل هشة أركانه، والزيف لا يصمد أمام صولة الحق وإن طال أمد الانتظار.
إنها درس بليغ في أن خيارات الله لنا دائماً أبهى وأرحم من أمانينا الضيقة، وأن الفضل ربما يتأخر ليأتيك كاملاً ناضجاً يمسح عن عينيك حزن السنين، تماماً كما عادت بصر يعقوب بقميص البشارة.
إننا نحب سورة يوسف لأنها تمنحنا الجرعة اليومية من الأمل التي نحتاجها لنواصل العيش، وتؤكد لنا بأسلوب بديع أن المحن ما هي إلا أرحام تولد منها المنح.
حين تقرأها، تكتشف أن الله لا ينسى أحداً، وأن كل ألم مررت به كان مدفوعاً بحكمة، وكل حرمان كان توطئة لعطاء أوسع وأجمل.
فثق دائماً بما يدبره لك القاضي الحق، ولا تستعجل قطاف أمنياتك قبل أوانها، فلعل الذي تنتظره بشغف يتحضر لك بأبهى حلة، ليثبت لك أن الخير منتصر حتماً، وأن بعد كل عتمة يوسفية، شروق يملأ عينيك وضياء يسعد قلبك.