.. 5 مصانع تدوير ومحطتان وسيطتان وإغلاق مقلب قلابشو
لم يعد التعامل مع مصرف كيتشنر مقتصرًا على مواجهة مشكلة تلوث مجرى مائي يمتد لنحو 69 كيلومترًا، وإنما تحول الملف إلى مشروع متكامل يستهدف تغيير طريقة التعامل مع المخلفات في المناطق الواقعة بنطاقه، بداية من جمعها ونقلها مرورًا بمعالجتها وتدويرها، وصولًا إلى التخلص الآمن من المتبقيات، بما ينعكس على البيئة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
المصرف الذي يمر نطاقه بمحافظات الغربية والدقهلية وكفر الشيخ ارتبط لسنوات بتحديات بيئية وخدمية متعددة، من بينها تراكم المخلفات وضعف كفاءة بعض مراحل الجمع والنقل والتخلص منها، وهو ما دفع إلى تنفيذ مكون خاص بالمخلفات الصلبة ضمن مشروع تحسين نوعية المياه بمصرف كيتشنر، بحيث لا تتم معالجة المشكلة من زاوية واحدة، وإنما من خلال بناء منظومة مترابطة تبدأ من الشارع وتنتهي بالمعالجة والتدوير.
وتنفذ وزارة التنمية المحلية والبيئة مكون المخلفات الصلبة بتمويل من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بقيمة 79 مليون يورو، ومنحة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 8 ملايين يورو، بهدف رفع كفاءة البنية الأساسية والتشغيلية لمنظومة المخلفات في المحافظات الثلاث، ومن المستهدف الانتهاء من تنفيذ المشروعات بنهاية يناير 2027.
5 مصانع تدوير.. من «مخلف» إلى مورد
أحد أهم مكونات المشروع هو إنشاء 5 مصانع لمعالجة وتدوير المخلفات الصلبة، موزعة بين المحافظات الثلاث، بواقع مصنع في دفرة بمحافظة الغربية، ومصنع في بلقاس بمحافظة الدقهلية، و3 مصانع في محافظة كفر الشيخ بمدن كفر الشيخ والحامول ودسوق.
وتستهدف هذه المصانع زيادة قدرات المعالجة والتدوير، وتقليل الكميات التي ينتهي بها الأمر إلى مواقع التخلص النهائي، بما يدعم مفهوم الاقتصاد الدائري والاستفادة من المخلفات باعتبارها موردًا يمكن استعادة جزء من قيمته بدلًا من التعامل معها باعتبارها عبئًا بيئيًا فقط.
وبحسب المستهدفات المعلنة للمشروع، تصل الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمصانع إلى نحو 4200 طن من المخلفات يوميًا، فيما يجري استكمال الأعمال تباعًا وفق الجداول الزمنية المحددة، على أن تدخل مجموعة من المصانع الخدمة خلال الفترة المقبلة.
وتبرز دفرة باعتبارها أحد أكبر مكونات المشروع، حيث يجري الإعداد لإنشاء مصنع بطاقة تصل إلى 1600 طن يوميًا على مساحة 12 فدانًا، باستخدام تكنولوجيا أوروبية، بما يستهدف التعامل مع كميات المخلفات البلدية في محافظة الغربية بصورة أكثر تكاملًا.
وفي الوقت نفسه، تم تصنيع وتوريد خطوط الفرز والتدوير لعدد من المصانع، مع الانتهاء من تركيب معدات مصنعي بلقاس وكفر الشيخ تمهيدًا لتجارب التشغيل بعد استكمال متطلبات توصيل التيار الكهربائي، بينما تتواصل أعمال تركيب المعدات في مصنعي الحامول ودسوق.
محطتان وسيطتان.. تقليل تكلفة النقل وزيادة كفاءة الجمع
ولأن إنشاء مصانع التدوير وحده لا يكفي، تضمن المشروع إنشاء محطتين وسيطتين للمخلفات في نبروه بمحافظة الدقهلية وقرية نشيل بالغربية، بتكلفة بلغت نحو 3.8 مليون يورو.
ودخلت المحطتان الخدمة، بطاقة استيعابية تصل إلى 300 طن يوميًا لكل محطة، لتعملا كحلقة وصل بين سيارات جمع المخلفات وشاحنات النقل التي تتولى نقلها إلى مراحل المعالجة والتدوير.
وتقوم فكرة المحطات على فصل عملية الجمع عن النقل لمسافات طويلة، بما يسمح لسيارات الجمع بالعودة سريعًا إلى مناطق الخدمة بدلًا من استهلاك وقت طويل في نقل المخلفات إلى مواقع المعالجة، وهو ما يرفع عدد رحلات الجمع ويُحسن استغلال أسطول السيارات ويخفض تكاليف التشغيل والصيانة.
ولا يتوقف العائد عند الجانب الخدمي، إذ تشير بيانات المشروع إلى أن المحطات تسهم كذلك في خفض استهلاك المحروقات والانبعاثات، ومن بينها توفير يصل إلى نحو 4.4 طن من ثاني أكسيد الكربون المكافئ يوميًا في محطة نبروه.
قلابشو.. إغلاق المقلب ووقف مصدر للتلوث
وفي جانب آخر من الخطة، يتعامل المشروع مع أحد أبرز تحديات التخلص من المخلفات من خلال تأهيل وإغلاق المقلب العمومي بقلابشو في الدقهلية، والذي تقدر التراكمات الموجودة به بنحو 2.5 مليون متر مكعب على مساحة 60 فدانًا.
ويأتي إغلاق المقلب بالتوازي مع توفير بدائل أكثر تنظيمًا للمعالجة والتدوير، بما يقلل الآثار البيئية الناتجة عن تراكم المخلفات، ويحد من الانبعاثات والغازات الدفيئة المرتبطة بأساليب التخلص غير الآمنة.
47 معدة و8 جراجات.. دعم المنظومة من الشارع
ويمتد التطوير إلى المرحلة الأولى من منظومة المخلفات نفسها، إذ يتضمن المشروع دعم عمليات الجمع والنقل بنحو 47 معدة متنوعة الاستخدام، إلى جانب تطوير ورفع كفاءة 8 جراجات وحملات ميكانيكية في المحافظات الثلاث، بما يساعد على الحفاظ على كفاءة المعدات وإجراء أعمال الصيانة الدورية والوقائية.
وهنا تظهر فلسفة المشروع في التعامل مع الملف باعتباره سلسلة واحدة؛ فالمواطن يحتاج إلى انتظام الجمع، والمنظومة تحتاج إلى معدات جاهزة، والنقل يحتاج إلى محطات وسيطة، والمخلفات تحتاج إلى مصانع للمعالجة والتدوير، بينما تحتاج المتبقيات إلى وسائل آمنة للتخلص منها.
من مصرف ملوث إلى مشروع لتحسين البيئة وجودة الحياة
وأكدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، أن الهدف من هذه الاستثمارات لا يقتصر على تنفيذ منشآت منفصلة، وإنما بناء منظومة متكاملة تحقق مردودًا مباشرًا على البيئة والصحة العامة وخدمات النظافة، مع استمرار متابعة المشروعات ميدانيًا لضمان دخولها الخدمة في التوقيتات المحددة.
وأوضحت وزيرة التنمية المحلية والبيئة أن الوزارة سعت لتعظيم الاستفادة من استثمارات مشروع تطهير مصرف كيتشنر (مكون المخلفات الصلبة) من خلال إعداد خطة استثمارية تتكامل مع جهود الدولة في تطوير منظومة إدارة المخلفات، سواء البرنامج الوطني لإدارة المخلفات الصلبة بمحافظتي الغربية وكفر الشيخ، أو الخطة الوطنية لتفعيل منظومة الإدارة المتكاملة للمخلفات الصلبة بالمحافظات، ومن بينها محافظة الدقهلية.
وبذلك ينتقل مشروع كيتشنر من مجرد التعامل مع مظاهر التلوث إلى معالجة أحد أسبابها من المنبع، عبر تغيير منظومة المخلفات نفسها في المحافظات الثلاث، لتصبح عملية الإدارة أكثر تكاملًا: جمع أفضل، ونقل أكثر كفاءة، ومعالجة وتدوير، وتخلص آمن.
والمرحلة الحالية للمشروع تعني أن جزءًا من المنظومة أصبح واقعًا بالفعل، وعلى رأسه المحطتان الوسيطتان في نبروه ونشيل، بينما تتواصل الأعمال في مصانع التدوير وباقي المكونات، تمهيدًا لاكتمال المنظومة ودخولها الخدمة تباعًا خلال الفترة المقبلة، بما يجعل «كيتشنر» نموذجًا لمشروع تتداخل فيه البيئة مع الخدمات والتنمية المحلية والصحة العامة والاقتصاد الدائري.