لم يحتج الأمر إلى سنوات من الدراسة، ولا إلى كلية طب، ولا حتى إلى مؤهل دراسي من الأساس.. كل ما احتاجه رجل في القاهرة هو عيادة مجهزة، بعض الأوراق المزورة، وكارنيهات تحمل أسماء جهات طبية، ليضع نفسه في مكان الطبيب ويبدأ رحلة البحث عن ضحايا يصدقون صفته الجديدة.
خلف باب إحدى العيادات بدائرة قسم شرطة أول عين شمس، كان المشهد يبدو طبيعيًا لمن يدخل المكان بحثًا عن طبيب نفسي؛ عيادة مجهزة لاستقبال المرضى، وصاحب المكان يقدم نفسه باعتباره متخصصًا يستطيع تقديم العلاج.
لكن خلف هذا المشهد كانت هناك حقيقة أخرى تمامًا
الرجل الذي جلس في موقع الطبيب، بحسب تحريات الأجهزة الأمنية، لم يكن طبيبًا من الأساس، ولم يكن حاصلًا على أي مؤهل دراسي.
كانت الصفة التي قدم بها نفسه للناس مجرد واجهة لنشاط قالت وزارة الداخلية إنه استهدف النصب والاحتيال والاستيلاء على أموال المواطنين.
بداية الحكاية.. طبيب بلا كلية طب
في مهنة مثل الطب، الطريق معروف: دراسة وتخصص ومؤهلات وتراخيص تسمح بممارسة المهنة، لكن المتهم في هذه الواقعة اختار طريقًا مختلفًا تمامًا.
وفقًا للمعلومات والتحريات التي أجرتها الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة، فإن المتهم عاطل، وغير حاصل على أي مؤهل دراسي، وله معلومات جنائية، ويقيم بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة.
ورغم عدم امتلاكه مؤهلًا دراسيًا، بدأ في تقديم نفسه للمواطنين على أنه طبيب نفسي، ولم يكتفِ بانتحال الصفة، بل انتقل إلى خطوة جعلت الصورة أكثر إقناعًا؛ إذ قام بتأسيس وتجهيز عيادة طبية في نطاق قسم شرطة أول عين شمس، دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية.
العيادة نفسها كانت جزءًا من المشهد
مكان مخصص لممارسة النشاط الطبي، لكنه، بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية، لم يكن حاصلًا على التراخيص اللازمة، وبينما كان المظهر الخارجي يوحي بأن المكان عيادة يمارس فيها طبيب متخصص عمله، كانت التحريات ترسم صورة مختلفة عن صاحب المكان.
لم يكن الأمر مجرد شخص يدعي أنه طبيب، بل شخص أسس مكانًا لممارسة هذا الدور، واستغل الصفة التي انتحلها في تحقيق أرباح مالية.
شهادة جامعية.. لكنها ليست حقيقية
ولأن الصفة وحدها قد لا تكون كافية لإقناع الجميع، ظهرت الأوراق في المشهد، خلال ضبط المتهم، عثرت الأجهزة الأمنية بحوزته على شهادة جامعية وعدد من الكارنيهات المنسوبة لجهات طبية.
للوهلة الأولى، يمكن لمثل هذه المستندات أن تمنح صاحبها مظهرًا مهنيًا أمام من يتعامل معه، لكن الفحص كشف المفاجأة: جميع هذه المستندات كانت مزورة.
وبذلك لم تعد الشبهة مرتبطة فقط بادعاء صفة طبيب نفسي، وإنما ظهرت مستندات مزورة كان من شأنها دعم هذه الصفة وإضفاء مظهر من الشرعية عليها.
الهواتف.. الجزء الذي كشف التفاصيل
لم تكن المستندات وحدها هي ما عثرت عليه الأجهزة الأمنية، فقد ضُبط مع المتهم 3 هواتف محمولة، وبفحصها تبين احتواؤها على دلائل تؤكد نشاطه الإجرامي، وفقًا لبيان وزارة الداخلية، وهنا أصبح الهاتف جزءًا من خيوط القضية، إلى جانب العيادة والمستندات والكارنيهات.
وبمواجهة المتهم بما أسفرت عنه التحريات والضبط، اعترف بممارسته النشاط الإجرامي على النحو المشار إليه، وأقر بأن هدفه كان تحقيق أرباح مالية.
لماذا كان انتحال صفة الطبيب هو بوابة الاحتيال؟
القصة في ظاهرها تتعلق بشخص أراد تحقيق مكاسب مالية، لكنه اختار لذلك صفة مهنية شديدة الحساسية.
فالطبيب بالنسبة للمريض ليس مجرد شخص يقدم خدمة، وإنما شخص يمنحه ثقته، ويطلعه على تفاصيل خاصة من حياته، وينتظر منه معرفة علمية تساعده على العلاج.
وفي حالة الطبيب النفسي تحديدًا، تصبح الثقة عنصرًا أساسيًا في العلاقة بين المريض والطبيب، لذلك فإن تقديم شخص غير مؤهل نفسه باعتباره طبيبًا لا يخلق فقط انطباعًا زائفًا، وإنما يجعل كل ما يقوله ويفعله داخل العيادة قائمًا على صفة غير حقيقية، وفقًا لما تكشفه تفاصيل الواقعة.
من «الطبيب» إلى المتهم
بعد تقنين الإجراءات والتنسيق مع الجهات المعنية، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم، ومع عملية الضبط، سقطت الأدوات التي اعتمد عليها في بناء صورته: مستندات مزورة، كارنيهات منسوبة لجهات طبية، وهواتف كشفت الفحص عن دلائل مرتبطة بنشاطه، كما تم غلق العيادة التي كان يديرها بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وهكذا انتهى المشهد الذي بدأ بعيادة وشخص يقدم نفسه باعتباره طبيبًا نفسيًا، بعدما كشفت التحريات أن صاحب هذه الصفة لم يكن حاصلًا على أي مؤهل