ملامح أشهر وأقدم مدارس العمارة الواحاتية للتكيف مع المناخ الصحراوى شديد القسوة.. كيف نجحت عمارة الأقبية والسقائف بالوادى الجديد فى الحفاظ على الهوية التراثية للواحات؟ والعالمى حسن فتحى قدم نموذجا قياسيا.. صور

السبت، 26 سبتمبر 2026 03:00 ص
ملامح أشهر وأقدم مدارس العمارة الواحاتية للتكيف مع المناخ الصحراوى شديد القسوة.. كيف نجحت عمارة الأقبية والسقائف بالوادى الجديد فى الحفاظ على الهوية التراثية للواحات؟ والعالمى حسن فتحى قدم نموذجا قياسيا.. صور منازل قرى جناح بنظام الأقبية

الوادى الجديد-ماهر أبو نور

على مدار عقود طويبة نجح سكان واحات الوادي الجديد في ابتكار مدرسة معمارية متكاملة استطاعت أن تُطوِّع البيئة القاسية، والمناخ شديد القسوة دون احتياج طبقات عازلة، ولا أجهزة تكييف، ولا تقنيات هندسية معقدة، بل كان لديهم فهما عميقًا للطبيعة، وقدرة فريدة على تحويل خامات البيئة إلى مبانٍ تنبض بالحياة، وتحافظ على اعتدال الحرارة طوال العام، وهى  المدرسة المعمارية التي ما زالت آثارها شاهدة حتى اليوم في قرى ومدن الواحات القديمة، قامت على عناصر بسيطة لكنها بالغة الذكاء، في مقدمتها الأقبية والسقائف، وهما نظامان إنشائيان شكلا هوية العمارة الواحاتية عبر قرون طويلة، وأثبتا أن الإنسان يستطيع أن يعيش في قلب الصحراء دون أن يهزم البيئة أو يستنزف مواردها، ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول مدن مثل القصر الإسلامية وبلاط الإسلامية وموط القديمة، وأحياء مثل درب السندادية بمدينة الخارجة، إلى مدارس مفتوحة يدرس فيها المتخصصون أسرار العمارة البيئية، بينما استلهم منها المعماري العالمي المصري حسن فتحي كثيرًا من أفكاره عندما وضع تصميمات قرية باريس بالوادي الجديد، قبل أن تعود الدولة في السنوات الأخيرة لتوظف الفلسفة نفسها داخل البيت صديق البيئة الذي أُنشئ بمقر مجمع المصالح الحكومية للخدمات الذكية، ليؤكد أن ما ابتكره الأجداد لا يزال صالحًا لبناء مدن المستقبل.

 

- الأقبية تصميمات معمارية للتكييف مع حرارة الصحراء

ويُعد نظام البناء بالأقبية واحدًا من أقدم النظم المعمارية التي عرفتها واحات مصر الغربية، وربما يعود استخدامه إلى عصور سحيقة، قبل أن يزدهر بصورة أكبر خلال العصر الإسلامي، عندما أصبحت مدن الواحات محطات رئيسية على طرق التجارة والحج القادمة من شمال إفريقيا والمتجهة إلى وادي النيل والحجاز، والقبو في صورته المعمارية عبارة عن سقف مقوس يُبنى من الطوب اللبن دون الحاجة إلى أخشاب أو كمرات حاملة، وهو ما مثل حلًا عبقريًا في بيئة نادرة الأخشاب مثل الوادي الجديد، إذ كان جلب الأخشاب من وادي النيل مكلفًا للغاية، بينما يتوافر الطين والتبن بكميات كبيرة داخل الواحات، وكان البناؤون يعتمدون على خبرة تراكمت عبر أجيال، فيرصون قوالب الطوب اللبن بزاوية دقيقة تجعل كل قالب يستند إلى الآخر، حتى يكتمل القوس، فيتوزع الحمل على جانبي الجدار بصورة طبيعية، دون الحاجة إلى أعمدة خرسانية أو أسقف خشبية، ولم يكن هذا الحل مجرد وسيلة لتوفير الخامات، بل كان يحمل مزايا هندسية ومناخية بالغة الأهمية، إذ يسمح القبو بارتفاع الهواء الساخن إلى أعلى، بينما يظل الهواء الأكثر برودة في الجزء السفلي من الغرفة، وهو ما يجعل درجات الحرارة داخل المنازل أقل بكثير من الخارج، كما أن سمك جدران الطوب اللبن، الذي قد يتجاوز نصف متر في بعض المباني، يعمل كعازل طبيعي يمنع انتقال الحرارة نهارًا ويحافظ على الدفء ليلًا، وهو ما وفر لسكان الواحات بيئة معيشية مريحة قبل قرون طويلة من ظهور مفهوم "العمارة المستدامة".

 

- السقائف تصميمات لتظليل الشوارع واستغلال المساحات

وإذا كانت الأقبية قد وفرت الراحة داخل البيوت، فإن السقائف صنعت الراحة خارجها، والسقيفة في عمارة الواحات ليست مجرد ممر مغطى، بل هي عنصر عمراني متكامل، نشأ استجابة مباشرة لحرارة الشمس القاسية، إذ تمتد أجزاء من الطابق العلوي للمنازل فوق الأزقة الضيقة، فتغطيها بالكامل أو جزئيًا، لتتحول الشوارع إلى ممرات مظللة تنخفض فيها درجات الحرارة بصورة ملحوظة، وكان سكان الواحات يطلقون على هذه الممرات اسم "السقائف"، وهي تشكل اليوم أحد أبرز ملامح المدن الإسلامية القديمة في الوادي الجديد، حيث تتعانق البيوت من أعلى، بينما تمر الحركة اليومية أسفلها بعيدًا عن أشعة الشمس المباشرة، ولم تؤد السقائف وظيفة مناخية فقط، بل ساهمت كذلك في حماية السكان من الرياح المحملة بالرمال، ووفرت قدرًا كبيرًا من الخصوصية، فضلًا عن أنها دعمت تماسك المباني المتجاورة، لتبدو المدينة وكأنها كتلة عمرانية واحدة متماسكة، ولذلك يشعر الزائر حتى الآن، أثناء السير داخل الأزقة القديمة، بانخفاض واضح في درجة الحرارة مقارنة بالشوارع المكشوفة، وهي الظاهرة التي تؤكد نجاح الفكر المعماري القديم في توظيف عناصر البيئة لصالح الإنسان دون استهلاك أي طاقة.

 

- القصر الإسلامية شاهدة على روعة العمارة البيئية

وتُعد مدينة القصر الإسلامية النموذج الأكثر اكتمالًا لهذه المدرسة المعمارية في مصر، إذ تحتفظ المدينة، التي يعود تخطيطها الحالي إلى العصر الأيوبي والمملوكي مع إضافات عثمانية لاحقة، بعشرات المنازل المبنية بالطوب اللبن، والتي ما زالت أقبية أسقفها وسقائف شوارعها قائمة حتى اليوم.

 

وتكشف جولة قصيرة داخل المدينة عن عبقرية التخطيط العمراني؛ فالأزقة جاءت ضيقة ومتعرجة لتقليل تعرضها للشمس، بينما تتكرر السقائف فوق أغلب الممرات، وتتوزع الأقبية داخل البيوت والمساجد والمخازن، بما يضمن حركة طبيعية للهواء ويحافظ على اعتدال درجات الحرارة طوال العام، ولم يكن اختيار مواد البناء عشوائيًا، بل اعتمد بالكامل على خامات البيئة المحلية، من الطين والرمال والتبن وجذوع النخيل، وهو ما جعل المباني منسجمة مع محيطها الطبيعي، وقادرة على مقاومة تغيرات المناخ لعشرات بل مئات السنين.

 

- بلاط الإسلامية حفظت أسرار البنّائين الأوائل

وتقدم مدينة بلاط الإسلامية نموذجًا آخر لا يقل أهمية، حيث ما تزال أحياؤها القديمة تحتفظ بقدر كبير من أصالة التخطيط العمراني الإسلامي الذي تشكل عبر قرون طويلة، حيث شُيدت منازل بلاط بالطوب اللبن المستخرج من طمي الواحات، والمخلوط بالتبن ليمنح الجدران صلابة وقدرة عالية على مقاومة التشقق. واعتمد البناؤون على نظام الأقبية والقباب في تغطية الغرف والمخازن، لتجنب استخدام الأخشاب النادرة في البيئة الصحراوية، وليوفروا في الوقت نفسه عزلًا حراريًا طبيعيًا جعل البيوت باردة صيفًا ودافئة شتاءً، وتكشف واجهات المنازل عن زخارف بسيطة، بينما تخفي الأزقة الضيقة خلفها شبكة من السقائف التي تربط أجزاء المباني ببعضها، وتلقي بظلالها على المارة معظم ساعات النهار، فتتحول المدينة إلى ممرات باردة نسبيًا رغم ارتفاع درجات الحرارة خارجها.

 

- عمارة الواحات القديمة بالغة الدقة والتعقيد

ويؤكد الباحثون في العمارة التقليدية أن تصميم بلاط لم يكن وليد المصادفة، بل اعتمد على قراءة دقيقة لاتجاهات الرياح وحركة الشمس، فكانت فتحات النوافذ صغيرة، والجدران سميكة، والمداخل منكسرة حفاظًا على الخصوصية وتقليل تسرب الحرارة، وهو ما يعكس فهمًا هندسيًا متقدمًا سبق كثيرًا من النظريات الحديثة في العمارة البيئية، وكان الهدف الأساسي من هذا النمط العمراني تقليل المساحات المعرضة للشمس، وخلق بيئة داخلية معتدلة دون الاعتماد على أي وسائل تبريد صناعية، وهو ما جعل سكان موط يعيشون في ظروف مناخية أكثر راحة مقارنة بالمناطق المفتوحة، كما أسهم استخدام الطوب اللبن في الحفاظ على الرطوبة النسبية داخل المباني، وهو عامل بالغ الأهمية في البيئات الصحراوية الجافة، حيث يعمل الطين على امتصاص الحرارة نهارًا وإطلاقها تدريجيًا ليلًا، ليحقق توازنًا حراريًا طبيعيًا داخل المنزل، ولم تكن السقائف مجرد عنصر معماري، بل أصبحت جزءًا من النسيج الاجتماعي، إذ كانت تمثل مكانًا تتلاقى عنده حركة السكان، وتساعد على استمرار النشاط التجاري داخل الأسواق القديمة حتى في أشد فترات الصيف حرارة

 

- قرية حسن فتحي نموذجا قياسيا للبيت الواحاتي

عندما بدأ المعماري المصري الكبير حسن فتحي العمل في الوادي الجديد خلال ستينيات القرن الماضي، لم يبحث عن حلول مستوردة، بل اتجه مباشرة إلى القرى القديمة، ليدرس كيف نجح أهل الواحات في التكيف مع البيئة الصحراوية.

 

ومن هنا جاءت تجربته في قرية باريس، التي أصبحت واحدة من أهم التجارب المصرية في العمارة البيئية، حيث أعاد إحياء البناء بالطوب اللبن، واستخدم الأقبية والقباب في تغطية المباني، معتمدًا على الخامات المحلية والعمالة التقليدية، ورأى حسن فتحي أن العمارة لا ينبغي أن تكون غريبة عن المكان، بل يجب أن تنبع من بيئته وثقافته، ولذلك صمم المباني بحيث تعتمد على التهوية الطبيعية، وتقلل الحاجة إلى الطاقة، وتحقق الراحة الحرارية للسكان بأقل تكلفة ممكنة، كما أولى اهتمامًا خاصًا باتجاهات الرياح ومسارات الشمس، فجعل فتحات التهوية تستقبل الهواء البارد، واستخدم الأفنية الداخلية لتلطيف المناخ، بينما عملت الأقبية على توزيع الحرارة بصورة متوازنة داخل المباني.

 

ورغم أن التجربة لم تكتمل بالشكل الذي كان يطمح إليه، فإنها تحولت لاحقًا إلى مرجع عالمي في العمارة المستدامة، وأصبحت أعمال حسن فتحي تُدرَّس في كليات الهندسة والعمارة حول العالم بوصفها نموذجًا يجمع بين التراث والابتكار.

 

- إنجاز اول بيت ريفي صديق للبيئة

ولم يكن إحياء العمارة البيئية في الوادي الجديد مجرد حديث عن الماضي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واقع عملي، بعدما حرصت المحافظة على نقل خبرات الأجداد إلى الأجيال الجديدة من خلال إنشاء البيت صديق البيئة داخل مجمع المصالح الحكومية للخدمات الذكية، ليكون نموذجًا حيًا يجمع بين العمارة التراثية والتكنولوجيا الحديثة، وجاء إنشاء البيت ضمن رؤية المحافظة لتحويل الوادي الجديد إلى نموذج للتنمية المستدامة، مستفيدًا من ثراء البيئة المحلية وخصوصية العمارة الواحاتية، حيث لم يكن الهدف إقامة مبنى للعرض فقط، وإنما إنشاء مدرسة تطبيقية توضح كيف استطاع الإنسان الواحاتي أن يحقق الراحة الحرارية داخل منزله قبل مئات السنين، وكيف يمكن إعادة توظيف هذه الفلسفة في المباني الحديثة، واعتمد تصميم المبنى على دمج العناصر التقليدية مع الاشتراطات الهندسية المعاصرة، فاستُخدم الطوب الطيني والمواد الطبيعية ذات الكفاءة العالية في العزل الحراري، مع تنفيذ أسقف مقببة وأقبية مستوحاة من العمارة الواحاتية، بما يقلل من امتصاص الحرارة ويخفض استهلاك الطاقة اللازمة للتبريد، كما روعي توجيه المبنى بما يتوافق مع حركة الشمس واتجاهات الرياح السائدة، مع تصميم فتحات تهوية تسمح بتجدد الهواء بصورة طبيعية، إلى جانب استخدام مظلات وعناصر معمارية تقلل من تعرض الجدران لأشعة الشمس المباشرة، وهو ما يحقق بيئة داخلية مريحة دون الاعتماد الكامل على أجهزة التكييف، ولم يغفل التصميم استغلال الطاقة الشمسية، باعتبارها المورد الطبيعي الأهم في الوادي الجديد، إلى جانب تطبيق نظم لترشيد استهلاك المياه واستخدام خامات صديقة للبيئة منخفضة الانبعاثات الكربونية، ليصبح المبنى نموذجًا عمليًا يربط بين التراث والاستدامة.

ابداع معمارى من الطوب اللبن
ابداع معمارى من الطوب اللبن

 

العمارة الواحاتية صامدة منذ مئات السنين
العمارة الواحاتية صامدة منذ مئات السنين

 

القرية مبنية من الطوب اللبن
القرية مبنية من الطوب اللبن

 

انشاء مرسم ومركز للتراث الواحاتى
انشاء مرسم ومركز للتراث الواحاتى

 

بناء مداخل القرى بنظام الأقبية
بناء مداخل القرى بنظام الأقبية

 

بناء هندسي فريد من نوعه
بناء هندسي فريد من نوعه

 

تصميم القرية بنظام الاقبية
تصميم القرية بنظام الاقبية

 

تصميمات هندسية تعمل على خفض درجات الحرارة
تصميمات هندسية تعمل على خفض درجات الحرارة

 

تموذج لاحد المنازل الريفية
تموذج لاحد المنازل الريفية

 

سقائف قرية بلاط الإسلامية
سقائف قرية بلاط الإسلامية

 

عمارة الأقبية فى قرى بشاير الخير
عمارة الأقبية فى قرى بشاير الخير

 

مبانى قرية جناح بنظام الأقبية
مبانى قرية جناح بنظام الأقبية

 

منازل قرى جناح بنظام الأقبية
منازل قرى جناح بنظام الأقبية

 

نظام البناء متوافق مع البيئة
نظام البناء متوافق مع البيئة

 

نظام هندسي متوافق مع المناخ الصحراوي
نظام هندسي متوافق مع المناخ الصحراوي

 

نماذج للمنازل الريفية بالخارجة
نماذج للمنازل الريفية بالخارجة

 

نموذج لتصميم قرية حسن فتحي قبل التنفيذ
نموذج لتصميم قرية حسن فتحي قبل التنفيذ

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة