في زوايا الحياة المظلمة، حين يتسرب اليأس إلى نفس الإنسان، قد تتحول يد المساعدة الممدودة إلى النصل الذي يقطع شريان الحياة.
لم تكن القصة مجرد حادث جنائي يتصدر صفحات الحوادث أو يسرد في أروقة المحاكم، بل كانت مأساة إنسانية تتجلى فيها أبشع صور الخيانة والغدر، حيث التقت النبل الإنساني مع قسوة الاحتياج، لينتهي المطاف بجريمة بشعة هزت وجدان الشارع المصري ومحافظة الجيزة سنة 2009.
رحلة عمل تنتهي بالفشل
تبدأ حكاية المتهم من رحلة بحث طويلة عن الرزق، غادر خلالها البلاد مثقلاً بأحلام بسيطة تتلخص في توفير حياة كريمة لزوجته.
طاف عدة دول وعمل في مجالات شاقة، لكن رياح الظروف جاءت بما لا تشتهي سفنه، عاد إلى القاهرة صفر اليدين، محاطاً بخيبات الأمل، ولم يجد أمامه سوى العمل في أحد المطاعم الصغيرة لقاء أجر لا يسد رمق الحياة.
وسرعان ما ضاقت به السبل مجدداً، ليدخل في دوامة البطالة التي أغلقت في وجهه كل الأبواب.
ومع تراكم الأعباء الجسام، وجد نفسه مساقاً لنار القروض، يوقع الشيكات وإيصالات الأمانة يميناً ويساراً على أمل الفرج القريب، دون أن يدري أن تلك الأوراق ستتحول لاحقاً إلى حبل يلتف حول عنقه.
الضحية محبوبة من الجميع
في المقابل، كانت المجني عليها، السيدة الفاضلة التي تشغل موقعاً قيادياً كمديرة ائتمان في أحد أكبر البنوك الشهيرة، نموذجاً للرقي والإحسان.
عاشت هادئة في شقتها الكائنة بمنطقة الجيزة رفقة والدة زوجها المسنة، بينما كان زوجها يعمل مغترباً في إحدى الدول العربية.
لم تكن هذه السيدة مجرد مخدومة بالنسبة لزوجة المتهم، بل كانت سنداً حقيقياً؛ حيث غمرت الخادمة وزوجها بعطفها، وساعدتهما مادياً في زواجهما ووقفت بجانبهما في أوقات شدتهما، متجاوزة حدود العلاقة الرسمية لتجسد أبهى صور التكافل والإنسانية.
الديون وراء ارتكاب الجريمة
لكن الشيطان كان يتربص في عقل الزوج الغارق في ديونه، ومع تزايد مطالبات الدائنين وتهديدهم بتحريك الدعاوي القضائية بالشيكات الموقعة منه، تملك منه الخوف من السجن ودخل في حالة من الفزع الداخلي.
وفي لحظة ضعف إنساني مظلمة، استمع لحديث زوجته عن ثراء المخدومة وحيازتها لمبالغ مالية ومجوهرات داخل شقتها، لم يعد يرى أمامه سوى تلك الأموال كطوق نجاة أخير يخلصه من جحيم الديون، ليتحول سعي الخلاص إلى مخطط إجرامي يستهدف اليد التي طالما امتدت إليه بالخير.
تفاصيل يوم الحادث
في يوم الحادث، تسلل المتهم إلى العمارة بخطوات ثقيلة يملأها الخوف والتردد، وصعد إلى الطابق العلوي حيث تقيم السيدة.
طرق الباب بنبضات متسارعة، وما إن فتحت له الضحية باستئناس دون أن تتوقع غدراً ممن أحسنت إليه، حتى استل سكيناً حاداً وباغتها بطعنة غادرة ونكراء، ليغتال حياتها في لحظات معدودة وسط بركة من الدماء.
لم يلتفت المتهم لتوسلات أو صدمة الموقف، بل تحرك كالآلية المبرمجة نحو مكان حفظ الأموال، وجمع ما امتدت إليه يداه داخل حقيبة، وفر هارباً عبر حافلة نقل جماعي ميكروباص، ليقوم بإخفاء الغنيمة الملطخة بالدماء بجوار فيلا مهجورة في أطراف المنطقة.
وفي اليوم التالي، ظهر المتهم بمظهر الرجل المتدين الخائف، وسارع بركوب الطرقات لسداد ديونه ووفاء إيصالات الأمانة للذين حاصروه، مظهراً انقضاء أزمته.
وفي الوقت نفسه، كانت الصحف تسرد تفاصيل الجريمة البشعة، وسط ذعر الرأي العام وتحريات مكثفة من رجال المباحث.
ودارت الشكوك في البداية حول بعض رجال الأعمال المتعثرين، خاصة أن الضحية عادت في يوم الجريمة بحوزتها ظرف يحوي أسماء 45 رجل أعمال متعثر في سداد القروض البنكية، مما جعل خيط التحقيق يتجه نحو الدافع الانتقامي أو المالي المتصل بالعمل.
لكن العدالة لا تنام، وعيون المباحث الذكية لم تغفل عن فحص الدائرة المقربة من الضحية، لفت انتباه التحريات حركة سداد الديون المفاجئة التي قام بها زوج الخادمة في نفس يوم الجريمة.
وفي مسرح الجريمة، كانت الطبيعة تأبي إلا أن تكشف الحقيقة؛ حيث عثر خبراء الطب الشرعي على بقعة دم صغيرة جداً مغايرة لدماء الضحية، وبإجراء التحاليل ومطابقة البصمة الوراثية، تبين أنها تعود للمتهم نفسه، بعدما أصيب إصبعه بجرح أثناء طعن الضحية، لتكون قطرة الدم تلك هي الشاهد الوحيد الذي أسقط الأقنعة.
اعترافات المتهم
أمام الأدلة الدامغة، انهار المتهم في اعترافات تفصيلية يملأها الندم والحسرة، مؤكداً أن الحاجة والخوف هما ما دفعاه إلى ارتكاب هذا الفعل الأليم ضد سيدة لم تر منها أسرته إلا كل خير، متسائلاً كيف تحول في لحظة طمع وخوف إلى قاتل لولي نعمة أسرته.
تجددت كواليس هذه القصة المؤثرة خلال استضافة العقيد دكتور هشام صالح في بودكاست "خلف الأسوار" مع محمود عبد الراضي، حيث أعاد الحديث عن تلك الذكريات مؤكداً أن الجريمة مهما حبكت تفاصيلها، تظل دائماً مخلفة وراءها أثراً لا يمحى، ودليلاً ينطق بالحق مهما حاول الجاني التخفي.