يصعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الخميس، إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لكن المستمعين إلى خطابه لن يكونوا جميعًا داخل القاعة. فعلى بعد آلاف الكيلومترات، يترقب الإسرائيليون الكلمة قبل خمسة أسابيع فقط من الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر، وسط مؤشرات على أن الخطاب الدولي قد يحمل في الوقت نفسه رسائل انتخابية واضحة إلى الداخل.
ويعزز هذا الانطباع توقيت الكلمة نفسها. فنتنياهو سيبدأ خطابه قرابة الثانية بعد الظهر بتوقيت نيويورك، أي التاسعة مساءً في إسرائيل، في ذروة وقت المشاهدة، بينما دخلت البلاد بالفعل أجواء الانتخابات.
السفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن مايكل أورين ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ قال لوكالة «رويترز» إن نتنياهو «لا يتحدث في الحقيقة إلى الأمم المتحدة، وإنما إلى الجمهور الإسرائيلي»، متوقعًا أن يبدو الخطاب أقرب إلى خطاب انتخابي.
زيارة خاطفة.. ورسالة إلى الداخل
لا يحتاج نتنياهو هذه المرة إلى إقامة طويلة في الولايات المتحدة. فالزيارة التي تستمر أقل من 24 ساعة تبدو مركزة حول لحظة واحدة: الصعود إلى منصة الأمم المتحدة. ومن المتوقع أن يعيد رئيس الوزراء الإسرائيلي ترتيب الملفات الأكثر حضورًا في خطابه الداخلي على منصة دولية؛ إيران، وغزة، والأمن، والدفاع عن الجيش الإسرائيلي في مواجهة الانتقادات والاتهامات الدولية المرتبطة بالحرب.
وقبل سفره، أعلن نتنياهو أنه سيستخدم كلمته للدفاع عن إسرائيل وجنودها، والرد على ما وصفه بـ«الأكاذيب» التي تُنشر ضد بلاده، مشوقًا جمهوره أيضًا بالقول إن الخطاب سيحمل «مفاجآت». وهنا تلتقي السياسة الخارجية بالحملة الانتخابية. فصورة رئيس الوزراء الذي يقف أمام العالم مدافعًا عن إسرائيل، في مواجهة ضغوط دولية متزايدة، يمكن أن تتحول بسهولة إلى رسالة سياسية موجهة إلى الناخب في الداخل.
ممداني.. خصم من خارج إسرائيل يدخل الحملة
وقد يجد عمدة نيويورك زهران ممداني لنفسه مكانًا غير معتاد في خطاب رئيس وزراء إسرائيل أمام الأمم المتحدة. فالمواجهة بين الرجلين تصاعدت خلال الأيام الماضية، بعدما وصف ممداني نتنياهو بأنه «مجرم حرب» واتهمه بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، كما سبق أن تحدث عن رغبته في توقيفه حال زيارته نيويورك، قبل أن يقر بعدم امتلاكه السلطة القانونية لتنفيذ ذلك.
نتنياهو رد قبل مغادرته برسالة مصورة خاطب فيها ممداني مباشرة، وقال إنه ذاهب إلى الأمم المتحدة لـ«قول الحقيقة» بشأن الجنود الإسرائيليين وبشأن عمدة نيويورك نفسه. وبحسب «رويترز»، من المتوقع أن يخصص نتنياهو جزءًا من خطابه لمهاجمة ممداني.
هذه المرة.. لا صورة مع ترامب
لكن ثمة صورة قد تكون أكثر لفتًا للانتباه بسبب غيابها. فجدول زيارة نتنياهو لا يتضمن لقاءً معلنًا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما لم يعلن مكتب رئيس الوزراء اجتماعات مع مسؤولين أمريكيين كبار. وسيلتقي نتنياهو عددًا من قادة الدول والمسؤولين خلال الساعات القليلة التي سيقضيها في نيويورك، لكن ترامب ليس بينهم.
ويكتسب الأمر دلالة انتخابية بالنظر إلى الطريقة التي استخدم بها نتنياهو علاقته بترامب في السابق. ففي انتخابات 2019، ظهرت صور ضخمة للرجلين على مبانٍ ولافتات انتخابية في إسرائيل، في إطار تقديم نتنياهو للناخب باعتباره صاحب علاقات استثنائية مع الرئيس الأمريكي. وقبل انتخابات 2026 بخمسة أسابيع، لا توجد حتى الآن صورة جديدة مماثلة.
وكان ترامب قد ألقى كلمته أمام الجمعية العامة الثلاثاء، وتحدث بصورة موسعة عن إيران، لكنه لم يذكر نتنياهو بالاسم، فيما لا يوفر جدول الرجلين فرصة معلنة للقاء خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي.
احتجاجات خارج القاعة
حتى خارج مبنى الأمم المتحدة، سيجد نتنياهو مشهدًا يمكن أن يدخل بدوره إلى الحملة الانتخابية. فمجموعات إسرائيلية ويهودية، إلى جانب منظمات مؤيدة للفلسطينيين، أعلنت تنظيم احتجاجات بالتزامن مع وجوده في نيويورك، وإن اختلفت أسباب الاحتجاج ومواقف المشاركين فيها.
ويأتي ذلك وسط ضغوط دولية متزايدة على إسرائيل بسبب الحرب في غزة والاستيطان في الضفة الغربية، وبعد تحركات اتخذتها دول غربية، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا، تجاه التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية. وهكذا يصبح المشهد مناسبًا لرسالة سياسية مزدوجة: رئيس حكومة يتعرض للاحتجاج والانتقاد في الخارج، لكنه يقف على أكبر منصة دبلوماسية دولية للرد.
منصة يعرف نتنياهو كيف يستخدمها
وليست الجمعية العامة بالنسبة إلى نتنياهو مجرد منصة لإلقاء خطاب دبلوماسي تقليدي. فعلى مدى سنوات، حول بعض كلماته أمام الأمم المتحدة إلى أحداث إعلامية، مستعينًا بالخرائط والصور والرسوم، خصوصًا عند الحديث عن إيران وبرنامجها النووي. وكثيرًا ما وجدت تلك المشاهد طريقها لاحقًا إلى النقاش السياسي الإسرائيلي.
الاختلاف هذه المرة هو اقتراب صناديق الاقتراع، فنتنياهو لا يصل إلى نيويورك فقط بينما تواجه إسرائيل انتقادات دولية بشأن غزة والضفة الغربية، وإنما يصل أيضًا في لحظة انتخابية يحتاج فيها إلى إعادة وضع قضايا الأمن وإيران والحرب والعلاقات الخارجية في قلب النقاش الداخلي.
ولهذا قد يكون السؤال الأهم في خطاب اليوم ليس فقط: ماذا سيقول نتنياهو للعالم؟ بل أيضًا: أي صورة يريد أن يحملها الناخب الإسرائيلي معه من نيويورك إلى صندوق الاقتراع؟ فالخطاب سيُلقى في الأمم المتحدة، لكن واحدة من أهم ساحاته السياسية ستكون على الأرجح في إسرائيل.