يُعرَف الرجال بالحق، ولا يُعرَف الحق بالرجال. لعلّ قولة الإمام على بن أبى طالب سليمة من حيث المنطق؛ إذ المبادئ ثابتة نظريًّا، والحياة ببشرها وحيواناتها ووقائعها مُتغيّرة دومًا. ولكنّ القاعدة لا تخلو من استثناءات.
والأصل؛ أن تنظر فى الفعل أوّلاً، وتردّه إلى المعايير المُستقرّة، أكانت نصوصًا دينية وقانونية أم قيمًا إنسانية عابرة للعقائد والمُجتمعات، وتقيسه على الفطرة والحدّ الأدنى من سلامة النفس. قبل أن تجزم بما إذا كان شخصٌ ما على صوابٍ أم خطأ.
وأسوأ ما يُبتلَى به المرء؛ أن يكون عنوانًا على ضلال، وقائد قطيع إلى الجحيم، بمعناه الدنىّ الدنىء، لا الدينى العقابى طبعًا.
كان مكيافيلّى فيلسوفًا وسياسيًّا فى إيطاليا إبّان عصر النهضة، ومستشارا رفيع المستوى، ومن جهة التنظير فإنه رائد المدرسة الواقعية فى السياسة، وله إسهامات جادة وعميقة فى شؤون الحُكم.
على أنه صار عنوانا على الانتهازية، وتنحية المبدأ لتقديم المصلحة. صحيح أنه لم يُفهَم بدقة من كثيرين، ونُسِبَت إليه أشياء فوق ما قال، وأُخذت بعض أفكاره بخفّة وعاطفية زائدة؛ إلا أنّ قدره لاحقه، والتصق به الحُكم لدى غالبية الناس.
واجه الصحابة أزمةً عميقة فى زمن الفتنة؛ إذ كان عمار بن ياسر فى جانب علىّ، وقُتِل على أيدى فريق معاوية؛ فتذكّر الجيشان حديث الرسول عنه: "تقتله الفئة الباغية". هكذا صارت الضحية ميزانًا، والخصوم عنوانًا للبغى.
لثمانية عقودٍ خَلَت فحسب؛ كانت دماء اليهود لم تبرد بعد على مذابح هتلر. أُحصيت الجرائم وضحاياها قدر الإمكان، وأُدينَت الأفعال وعُقِدَت المحاكمات.
وُضِعَت النازية فى قفص الإدانة، والسامية (رغم ملاحظاتنا على الاجتزاء) فى حاضنة القانون، ولصيقة بالضمير الحىّ مباشرة، ما كانت الفطرة السويّة تقبل التعالى على ما تعرّضوا له؛ غير أن العالم ملىء بالمُختلّين وغير الأسوياء. وإلى جانب الاستقامة الأخلاقية؛ تقصّد التوظيف السياسى أن يُجيّر المأساة لحساب الصهيونية ومشروعها؛ فعُدّ الإنكار من قبيل "مُعاداة السامية".
عدوان وحيد، أرادوه أن يكون تأطيرًا واختزالا للتهمة نفسها، مرة وإلا الأبد، بحيث تُوقَف الإبادة عليهم حصرًا، وتُغفَر لهم فى مقابلها كلُّ ذنوبهم؛ وإن أتوا الفعل ذاته أو أبشع منه!
بدأت العصابات حربها على الوجود الفلسطينى منذ الانتداب البريطانى، وتضاعف مع النكبة وبعدها، ومن يومها ما توقّفت المقتلة.
آلاف نُحِروا تحت ظلّ التوراة ونجمة داود، وبمزاعم قومية ودينية تكفى لإدانة الدولة المُلفّقة كاملةً؛ حتى الذين يتطهّرون ويغسلون أياديهم وسُمعتهم بالادعاء والدعايات.
وحشيّةٌ بلا سقفٍ، ولا أُفق زمنى. تزداد فداحتها بأنها تُمارَس ضد أصحاب الأرض الأصليين، وتنطوى على نيّة التطهير العرقى، وتتّخذ طابعًا عقائديًّا يكاد يجعلها من صميم بنية الحُكم وإيمان المحكومين.
والمفارقة؛ أنّ الإدانة سُحِبَت من مجالها لتُسبَغ على الصورة الضدّ تمامًا. فبلغت الوقاحة مبلغها باليمين المتطرف، من الليكود وحلفائه، أن يعتبر إثبات الإبادة وإدانتها سلوكًا مُعاديًا للسامية.
وهكذا؛ صارت السامية المزعومة ثابتًا، والحياة والموت والضمائر والسواء النفسى مُجرّد مسائل نسبية مُتغيّرة!
اندفع بعض العرب بعاطفة وراء محور الممانعة؛ لا لشىء إلا أنه يُجاهر بعداوة الصهاينة المُتوحّشين.
الطيّبون تناسَوا أنه عداء لا يتجاوز الحناجر، تاجر بالقضايا وأضعفها، وما أضاف لرصيدها خردلةً، ولا أقال المنكوبين من عثراتهم المُتكرّرة؛ بل ضاعفها للأسف!
كان العداء مستحكما بين البعث فى العراق وسوريا؛ لكنهما رفعا راية "الصمود والتصدّى" ضد السادات، وخياره فى التعقّل والاعتدال. تحاربا وتآمرا على بعضهما؛ بأكثر مِمّا نظرا إلى إسرائيل أصلاً، أو اهتمّا بمقاومتها أو إزعاج مُخططاتها فى المنطقة.
خرّبا بلديهما، ولبنان بالمرّة، مع محاولات حثيثة ضد الأردن وغيره، وتجارة بفلسطين واستتباع لفصائلها.
تناطحا حتى ضعُفا، وأضعفا المنطقة. انتقلت الراية إلى إيران ونظامها الدينى، فبدأ رحلة تصدير الثورة، واستهداف الشيطان والاستكبار العالمى شكلاً، والجوار القريب فى المضمون.
المُهلّلون لحزب الله اليوم، يتجاهلون أنه سحق بيروت بأحذيته الثقيلة، ولفائدة سادته الملالى. يقفزون على مُباهاة طهران بتخريب أربع عواصم عربية، والسيطرة عليها.
مازوخيّون يستبدلون جلادًا بآخر، وفى أحسن الأحوال يُشبهون رهينةً يكيد خاطفه بإطلاق الرصاص على نفسه!
انتفض المصريون ضدّ الإخوان؛ لأنهم هدّدوا البلد وهُويّته. وسارت وراءهم شعوبٌ عِدّة فى المنطقة، من المحيط إلى الخليج، وبالثورة أو الصناديق. غير أن بعض تلك المجتمعات تدعم الآن خطابا أصوليًّا شبيهًا؛ لمُجرّد أنه بعيد عنهم، وأثره محصور فى أوطان أخرى!
الحوثيّون لا يختلفون عن الإرهابيين السنّة، وميليشيات العراق ليست أفضل من عصابات ليبيا وسوريا وغيرها. والحالمون بالخلافة والانكشارية العثمانية سيّان مع الساعين إلى إعادة إحياء الصفوية تحت عمامة شيعية سوداء.
قُل لى كيف ترى الجغرافيا والتاريخ، وعلاقة العباد بالبلاد، وصفاء القيم واطّراد تطبيقها بغض النظر عن المصلحة وأطراف الوقائع؛ أقُل لك من أنت.
وكلّ ما يُؤَدلَج ويُشَخصَن وتُداخله المنافع الرخيصة، ولا يحمل تجرُّدًا جليًّا ونكهة وطنية خالصة، لا يُعوّل عليه من الأساس!
قابيل قاتل أخيه، ونيرون حارق روما، حتى نتنياهو سفاح غزّة، وبينهم أباطرة ومجرمون ومُتألّهون ومّدعو نبوّة ورسالة.. حديقة حيوان بشرية بلا حدود، ولا نهاية لمُفارقاتها الفجّة.
تداعت القصص على خاطرى، وتشابكت خيوطها حتى تعقّدت؛ بينما كُنت أتناقش مع صديقٍ وزميل مهنة، بشأن الأحاديث الجارية على الساحة مؤخّرًا، والخلافات المُتصاعدة بين أطيافٍ عِدّة؛ فقال بأريحية وهدوء: "لو فلان يمين وإبليس شمال؛ فأنا مع إبليس".
كتب فتحى غانم قصّته "الرجل الذى فَقَد ظلّه"، وقال أهل التأويل والنميمة إنه يقصد هيكل. على أن بعض الناس بلا ظلٍّ أصلاً، يصغرون كلما كبروا، ويُضَيّعون بإرادتهم ما راكمته لهم الأيام عشوائيًّا وبدون استحقاق.
يقف إبليس على رأس طابور طويل؛ كله من البشر. بعضهم صنعتهم الصدفة، والبعض اجتهدوا ليتدَنّوا، ومنهم هياكل فارغة يعبرها الهواء بلا أثر، وطبول يعلو ضجيجها لأنها خاوية تماما.
فريقٌ بُنِىَ على أكتاف سواه، واغتنى بفقر الآخرين، وعندما وضعوا بصمةً فى مشاريعهم الهشّة هدموها بخفّة وغباء؛ فاكتشفوا واكتشف الناس أنهم مُجرّد فقاقيع وأوهام!
الأُموىّ الطامع فى المُلك، والفارسىّ المُحمّل بإحن عرقيّة يُغطّيها بالدين.. النازى المجرم وضحاياه الذين فاقوه إجرامًا.. سماسرة المِهَن والقِيَم والأخلاق والإنسانية، ومُبتذلو كلَّ جميلٍ ونبيلٍ وآدمىٍّ. جميعهم فى مستنقعٍ واحد؛ ولو اختلفت المجالات والنزاعات والأزمنة والأماكن.
سمعتُ تعليق الصديق وضحكتُ، ضحكتُ حقيقةً، بقهقةٍ عالية طويلة حتى دمعت عيناى؛ لكننى اغتمَمتُ نفسيًّا للأسف، ودعوت الله فى سرّى ألّا أكون يومًا من الناس الذين تترسّم بهم حدود الباطل، أو يخسرون حالَ وضعهم فى مقارنة مع الشياطين!