قبل سبعة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، تتحول أزمة ارتفاع أسعار الوقود إلى أحد أبرز الملفات التي تضغط على الحكومة وتثير غضب الشارع، بعدما وصلت أسعار البنزين والديزل إلى مستويات قياسية، بالتزامن مع اضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية نتيجة الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز.
وخلال الأسابيع الأخيرة، صعّد الصيادون احتجاجاتهم عبر إغلاق مستودعات النفط ومداخل الموانئ في جنوب فرنسا، فيما خرج مزارعون في مناطق مختلفة من البلاد للتنديد بارتفاع تكاليف الوقود وتأثيرها المباشر على أنشطتهم. وتزامنت الاحتجاجات مع مؤشرات على بدء تراجع الطلب على الوقود، بعد أشهر من تسجيل أسعار مرتفعة بشكل غير مسبوق.
وسجل سعر الديزل في فرنسا مستوى قياسيًا عند 2.41 يورو للتر، بينما تجاوز سعر بنزين «إس بي 95-إي 10» الأكثر استخدامًا حاجز 2.17 يورو للتر ووصل متوسط سعر «إس بي 98» إلى أكثر من 2.28 يورو للتر.
تصاعد الضغوط
وأمام تصاعد الضغوط، أعلنت الحكومة الفرنسية توسيع وتمديد آلية الدعم الموجهة للأسر الأكثر تضررًا من ارتفاع أسعار الوقود، بتكلفة إضافية تبلغ 450 مليون يورو، ليرتفع إجمالي الإنفاق على إجراءات دعم الوقود إلى نحو 1.4 مليار يورو.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه المالية العامة الفرنسية ضغوطًا متزايدة، إذ يتوقع أن يبلغ عجز الموازنة هذا العام نحو 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تقترب نسبة الدين العام من 120% من الناتج المحلي الإجمالي
كما طرحت الحكومة ضمن مشروع موازنة 2027 ما يعرف بـ«القاعدة الذهبية للوقود»، والتي تقضي بتوجيه أي إيرادات ضريبية إضافية ناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود إلى إجراءات لدعم المستهلكين، بما يمنع استفادة الدولة ماليًا من ارتفاع الأسعار عند محطات الوقود.
لماذا ترتفع أسعار الوقود في فرنسا؟
تشكل الضرائب أحد العوامل الأساسية في تحديد السعر النهائي للوقود في فرنسا، إذ تفرض الدولة ضريبة الاستهلاك الداخلي على المنتجات الطاقية «تيكبي»، إلى جانب ضريبة القيمة المضافة التي تبلغ نحو 20%.
وتوضح آنا كريتي، أستاذة الاقتصاد في جامعة باريس دوفين، أن الضرائب توفر مصدرًا مهمًا لإيرادات الدولة، لكنها في الوقت نفسه تزيد العبء على المستهلكين.
ومنذ مارس، اختارت الحكومة الفرنسية الاعتماد على دعم موجه للأسر والقطاعات الأكثر تضررًا بدلًا من اللجوء إلى خفض شامل للضرائب، وهو النهج الذي قال وزير الاقتصاد رولان ليسكور إنه سيستمر في المرحلة المقبلة.
ولا تقتصر أسباب ارتفاع الأسعار على الضرائب، إذ يلعب وضع سوق الطاقة العالمية دورًا رئيسيًا، خصوصًا بالنسبة للديزل الذي تعتمد فرنسا في توفيره على الواردات بدرجة أكبر من البنزين. ويجعل ذلك السوق الفرنسية أكثر حساسية لأي نقص عالمي أو ارتفاع في أسعار الجملة وتكاليف النقل.
كما أن اعتماد فرنسا الكبير على سيارات الديزل، إلى جانب استخدامه على نطاق واسع في النقل التجاري والصناعات، يزيد من تأثير أي ارتفاع في الأسعار على الأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة.
وتشير كريتي إلى أن الأسعار الحالية، بعد احتساب التضخم، تجاوزت بالفعل مستويات الأسعار التي ساهمت في اندلاع احتجاجات «السترات الصفراء» عام 2018، وهي الحركة التي انطلقت احتجاجًا على تكاليف المعيشة وخصوصًا زيادة الضرائب على الوقود، قبل أن تتحول إلى احتجاجات واسعة في مختلف أنحاء فرنسا.
الوقود يدخل السباق الرئاسي
ومع اقتراب الانتخابات، بدأت قضية الوقود تجد طريقها إلى برامج المرشحين، وسط اختلاف واضح في المقترحات المطروحة لمعالجة ارتفاع الأسعار.
وتتعهد مارين لوبان بخفض ضريبة القيمة المضافة على الوقود من 20% إلى 5.5%، وهو مقترح سبق أن طرحته خلال حملتها الانتخابية عام 2022، إلا أن تطبيقه يواجه قيودًا مرتبطة بالقواعد الأوروبية الخاصة بضريبة القيمة المضافة.
في المقابل، يقترح جان لوك ميلنشون وحزب «فرنسا الأبية» فرض سقف لأسعار الوقود، بحيث لا يتجاوز سعر لتر البنزين 1.70 يورو، والديزل 1.80 يورو.
وانتقد ميلنشون مقترح خفض ضريبة القيمة المضافة، معتبرًا أن خفض الضرائب لا يضمن بالضرورة انتقال كامل الوفر إلى المستهلك، مستشهدًا بتجربة سابقة لخفض ضريبة القيمة المضافة على وجبات المطاعم في فرنسا.
ويرتبط اختلاف مواقف المرشحين أيضًا بتركيبة قواعدهم الانتخابية. فبينما يمثل الوقود قضية أكثر حضورًا في المناطق الريفية والضواحي التي يعتمد سكانها بدرجة كبيرة على السيارات، يحظى النقل العام بأهمية أكبر في المدن الكبرى، ما ينعكس على ترتيب الملف داخل البرامج السياسية للمرشحين.
أما الوسطي جابرييل أتال والمحافظ إدوار فيليب، وهما من رؤساء الوزراء السابقين في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، فيدعمان إجراءات تهدف إلى تخفيف تأثير ارتفاع أسعار الوقود على المستهلكين، في حين يركز المرشح اليساري رافاييل جلوكسمان بدرجة أكبر على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ومع استمرار ارتفاع الأسعار، تبدو أزمة الوقود مرشحة للبقاء في صدارة النقاش العام الفرنسي خلال الأشهر المقبلة. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتكلفة التنقل، وإنما باتت تمس النقل والزراعة والصناعة وتكاليف المعيشة، في وقت تحاول فيه الحكومة احتواء غضب المستهلكين دون زيادة الضغوط على المالية العامة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، يمكن أن يتحول ارتفاع أسعار الوقود إلى اختبار سياسي للحكومة والمرشحين، خصوصًا إذا استمرت اضطرابات سوق الطاقة العالمية وواصلت الأسعار الضغط على ميزانيات الأسر والشركات الفرنسية.