تكشف الكلمة التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية عن رؤية تتجاوز مناسبة تخريج دفعة جديدة من المتدربين، لتطرح تصورًا أوسع لمفهوم بناء الدولة المصرية، يقوم في جوهره على أن التنمية تتحقق بما تمتلكه من إنسان مؤهل، ومؤسسات قادرة، ووعي مجتمعي يحمي مسار التنمية ويضمن استمراره، وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من طبيعة الفئة التي شهدت المناسبة تخرجها؛ حيث يمثل خريجو الجهات والهيئات القضائية جزءًا من الكوادر التي ستتحمل مسؤوليات مؤثرة داخل مؤسسات الدولة، ومن ثم، فإن الحديث عن تدريبهم داخل الأكاديمية العسكرية المصرية يعكس توجهًا نحو توسيع دائرة المعرفة المشتركة بين مؤسسات الدولة، وتعزيز فهم أعمق لطبيعة الدولة ومؤسساتها وأدوارها المتكاملة.
الإنسان هو نقطة البداية، هذه الفكرة كانت حاضرة بوضوح في حديث الرئيس، حين ربط بين التدريب والتأهيل العلمي والمهني وبين تكوين شخصية متوازنة تمتلك المعرفة والكفاءة والقيم، وهي رؤية تتجاوز مفهوم التدريب التقليدي الذي يركز على اكتساب مهارة محددة، إلى مفهوم أكثر شمولًا لبناء الشخصية القادرة على ممارسة المسؤولية العامة في إطار من الانضباط والوعي والالتزام، وفي ضوء ذلك، تبرز أهمية تجربة الأكاديمية العسكرية المصرية في تقديم برامج تدريبية مشتركة لدارسين ينتمون إلى قطاعات مختلفة من الدولة، فاختلاط المتدربين من مؤسسات متعددة يتيح لهم التعرف على طبيعة عمل مؤسسات أخرى، وفهم التحديات المشتركة، وإدراك أن الدولة منظومة متكاملة تتعاون أجهزتها ومؤسساتها من أجل تحقيق أهداف وطنية مشتركة.
يعد من أبرز الأفكار التي حملتها كلمة الرئيس التأكيد على أهمية المعايير الموضوعية في اختيار وتأهيل الكوادر، وضرورة الحفاظ على هذه المعايير واستمراريتها، حيث أن إصلاح مؤسسات الدولة يحتاج إلى بناء نظم واضحة للاختيار والتقييم والتأهيل، بحيث يصبح الوصول إلى المسؤولية العامة مرتبطًا بالكفاءة والقدرة والاستعداد، بعيدًا عن المجاملة أو المحاباة، وتلك الفكرة تمثل أحد الشروط الأساسية لبناء دولة حديثة؛ فالمؤسسات المستقرة هي التي تعمل وفق قواعد ومعايير قابلة للقياس والتطبيق، وليس وفق العلاقات الشخصية أو الاعتبارات الظرفية، وكلما أصبحت معايير الاختيار والتأهيل أكثر وضوحًا وموضوعية، زادت قدرة مؤسسات الدولة على إنتاج كوادر قادرة على تحمل مسؤولياتها بكفاءة، ومن هنا يمكن فهم تأكيد الرئيس أن نتائج هذه التجربة تحتاج إلى سنوات حتى تتراكم آثارها داخل مؤسسات الدولة، فبناء الإنسان والمؤسسات عملية ممتدة.
إن هذه الرؤية تضع مفهوم التنمية في إطاره الأوسع، فالمشروعات القومية والبنية الأساسية تمثل عناصر ضرورية للتقدم، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة نهضة مستدامة، فالنهضة تحتاج إلى إنسان يعرف، ويفكر، ويبدع، ويحترم القانون، ويدرك مسؤولياته، ويستطيع العمل مع الآخرين، ولهذا جاء الربط بين التدريب وبناء الإنسان، فالمعرفة التي يحصل عليها المتدرب في تخصصه تمثل جانبًا أساسيًا، إلى جانب جرعة معرفية مشتركة تهدف إلى توسيع مداركه وإكسابه فهمًا أشمل لمؤسسات الدولة والمجتمع، وهذه الرؤية تتوافق مع حقيقة أساسية في تجارب التنمية الحديثة، أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة؛ لأن الإنسان المؤهل هو القادر على تشغيل المؤسسات، وتطوير التكنولوجيا، وإدارة الموارد، وتحويل الخطط والاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة.
يعد من الدلالات المهمة في حديث الرئيس الإشارة إتاحة الفرصة لمؤسسات الدولة لكي تتعايش مع بعضها البعض، وهذا المفهوم يحمل بعدًا إداريًا وتنمويًا مهمًا؛ لأن التحديات التي تواجه الدولة الحديثة أصبحت متشابكة إلى درجة تجعل العمل المنفرد لكل مؤسسة غير كاف، فالتنمية الاقتصادية ترتبط بالتعليم، والصحة ترتبط بالاقتصاد، والتحول الرقمي يرتبط بالإدارة، والأمن المجتمعي يرتبط بالوعي والثقافة، وسيادة القانون تحتاج إلى مؤسسات تعمل في إطار متكامل، ومن ثم، فإن خلق مساحات للتعارف والتدريب المشترك بين كوادر مؤسسات الدولة يمكن أن يسهم في بناء ثقافة مؤسسية مشتركة، ويقلل من الفجوات المعرفية بين أجهزة الدولة، ويدعم التعاون والتنسيق بينها.
امتد حديث الرئيس عن التدريب المؤسسي ليشمل قضية الوعي المجتمعي، كمرتكز أساسي للحفاظ على الدولة وتعزيز استقرارها، فبناء الدولة يتمثل في أن الاستقرار والتنمية المستدامة يتحققان بوجود وعي مجتمعي ناضج، قادر على التمييز بين النقد المسؤول الذي يسهم في الإصلاح والتطوير، وبين الممارسات التي تفضي إلى إضعاف مؤسسات الدولة أو تهديد تماسك المجتمع، فالوعي الوطني يهتم بترسيخ ثقافة إدارة التنوع والاختلاف عبر الأطر المؤسسية والقانونية والسلمية، بما يحفظ للدولة قدرتها على أداء وظائفها، ويضمن استمرار مسيرة التنمية، وفي ضوء ذلك، تكتسب دعوة الرئيس إلى أن ينقل خريجو البرامج التدريبية ما اكتسبوه من معارف وخبرات إلى أسرهم ودوائرهم الاجتماعية دلالة تتجاوز حدود التدريب ذاته، لتعكس رؤية أشمل مؤداها أن بناء الوعي مسؤولية مجتمعية مشتركة، تتكامل فيها أدوار الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، ومؤسسات الدولة، ومنظمات المجتمع المدني، بما يسهم في ترسيخ ثقافة المواطنة، وتعزيز الانتماء، وصون الاستقرار الوطني.
ومن اللافت في الكلمة أيضًا التحذير من الاستعلاء، سواء ارتبط بالمنصب أو الوظيفة أو التدين أو الشعور بالاستقامة، وهذه الإشارة تحمل قيمة تربوية ومؤسسية مهمة؛ لأن امتلاك السلطة أو المعرفة أو المكانة الوظيفية لا ينبغي أن يتحول إلى شعور بالتفوق على الآخرين، فالمسؤولية العامة تكليف وليست امتيازًا، والوظيفة العامة تستمد قيمتها من الخدمة التي تقدمها للمجتمع، وهنا تتكامل عناصر بناء الإنسان، العلم مع الأخلاق، والكفاءة مع التواضع، والسلطة مع المسؤولية، والحق في اتخاذ القرار مع الالتزام بالقانون.
يعد من أكثر الرسائل دلالة في كلمة الرئيس ذلك التحذير الصريح من آفة الاستعلاء، أيًا كان مصدرها؛ سواء استندت إلى المنصب، أو الوظيفة، أو المعرفة، أو التدين، أو الشعور بالاستقامة، فهذه الأمور جميعًا تفقد معناها متى تحولت إلى أدوات للتمايز بين الناس أو مبررات للتعالي عليهم، فأخطر ما يواجه المؤسسات ليس نقص الكفاءات بقدر ما يواجهها تضخم الأنا، حين يختلط النفوذ بالاستحقاق، وتتحول السلطة من وسيلة لتحقيق المصلحة العامة إلى شعور بالامتياز والانفراد بالرأي، ولهذا فإن بناء القيادات يكتمل بإكسابها المهارات والخبرات وترسيخ منظومة أخلاقية تجعل التواضع والانصاف واحترام وتقدير الإنسان قوة، ومنهجًا، ومعيارًا لممارسة المسؤولية، فالوظيفة العامة التزام أخلاقي وقانوني تجاه المجتمع، وكلما اتسعت دائرة المسؤولية، ازدادت الحاجة إلى الانضباط، واتسع نطاق المساءلة، وتعاظم واجب القدوة، ولهذا ترتبط القيادة الرشيدة بقدرتها على الإنصات قبل إصدار الأحكام، وإدارة الاختلاف بالحكمة، وممارسة السلطة بروح الخدمة، لأن المؤسسات التي يحكمها التواضع تزداد تماسكًا، بينما تضعفها نزعات التعالي مهما امتلكت من إمكانات.
تتبلور معادلة بناء الإنسان التي تقوم عليها الدولة المصرية، وهي معادلة تهتم بتنمية المهارات أو تعظيم الكفاءة المهنية، وبناء شخصية متوازنة تجمع بين المعرفة والبصيرة، والكفاءة والنزاهة، والسلطة والمسؤولية، وحرية اتخاذ القرار والانضباط بأحكام القانون وقيم العدالة والمساواة، فالقوة الحقيقية للمؤسسات تنبع من اللوائح ومن الضمير المهني الذي يحكم سلوك القائمين عليها، ومن ثقافة مؤسسية تجعل خدمة المواطن غايتها الأولى، وتحول الواجب إلى التزام أخلاقي قبل أن يكون التزامًا وظيفيًا، وحين تترسخ هذه المنظومة القيمية في الممارسة اليومية، تتعزز الثقة بين أفراد المؤسسة، وتتسع مساحات التعاون، ويصبح الاختلاف مصدرًا للإثراء والنجاح ثمرة للعمل الجماعي وعندئذ تتحول المؤسسات إلى بيئات منتجة للكفاءة والابتكار، وقادرة على تجديد ذاتها ومواجهة التحديات بثقة واستقرار، لأن بناء الإنسان يظل الاستثمار الأكثر استدامة، والأساس الذي تبنى عليه قوة الدولة، وتصان به مؤسساتها، ويرسخ من خلاله مستقبلها.
إن القراءة المتأنية لتوجيهات الرئيس تكشف عن رؤية متكاملة تتجاوز حدود التدريب المؤسسي أو تطوير الأداء الإداري، لتطرح مشروعًا شاملًا لإعادة بناء الإنسان كركيزة لبناء الدولة الحديثة، وتتداخل في هذه الرؤية مجموعة من المحاور المترابطة؛ تبدأ بإصلاح مؤسسات الدولة وتطوير آليات عملها، وتوحيد معايير اختيار الكفاءات، وترسيخ ثقافة التدريب المشترك، وبناء الشخصية المتوازنة، وتعزيز الوعي الوطني، وحماية الأجيال الجديدة من مختلف صور الاستقطاب الفكري، وصولًا إلى ترسيخ منظومة قيمية تجعل الكفاءة والمسؤولية والنزاهة والانتماء أسسًا لإدارة الشأن العام، وهي جميعًا حلقات في مشروع وطني واحد، يؤمن بأن التنمية عملية حضارية متكاملة يكون الإنسان غايتها ووسيلتها.
تحتاج الدولة التي تتطلع إلى مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا قبل كل شيء إلى إنسان يمتلك العلم، ويؤمن بقيمة العمل، ويتحلى بالنزاهة، ويعي مسؤولياته الوطنية، وقادر على تحويل الرؤى إلى واقع، والسياسات إلى نتائج، والطموحات إلى إنجازات مستدامة، كما تحتاج إلى مؤسسات تعمل وفق معايير موضوعية، وتتكامل أدوارها في إطار من التنسيق والكفاءة، بحيث تصبح المصلحة العامة هي البوصلة التي توجه القرار، ويغدو الأداء المؤسسي تعبيرًا عن ثقافة وطنية قائمة على المسؤولية والالتزام، فالأوطان تصنع مستقبلها بما تمتلكه من عقول واعية تستبصر الطريق، وضمائر حية تحمي القيم، وإرادات قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى مساحات جديدة للإنجاز والبناء، وعندما يلتقي الإنسان الواعي بالمؤسسة الرشيدة، ويتكامل العلم مع الأخلاق، والكفاءة مع المسؤولية، والطموح مع الانتماء، يصبح المستقبل امتدادًا طبيعيًا لعمل حاضر واعي، وتتحول التنمية من خطط وبرامج إلى ثقافة راسخة تسكن وجدان المجتمع وتنعكس في سلوك أفراده ومؤسساته، فالحضارات ترتفع بالعقول والقيم، وحين يبنى الإنسان بناءً متكاملًا، يصبح هو صانع النهضة، وحارس منجزاتها، وضمانة عبورها الآمن نحو المستقبل.