وثيقة مكتبة الإسكندرية الصادرة عن مؤتمر الهوية الوطنية.. أبرز البنود والتوصيات

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 06:58 م
وثيقة مكتبة الإسكندرية الصادرة عن مؤتمر الهوية الوطنية.. أبرز البنود والتوصيات مؤتمر الهوية الوطنية

0:00 / 0:00
الإسكندرية جاكلين منير

شهدت مكتبة الإسكندرية ختام مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، المقام تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر الجاري، بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية ووزارات التعليم العالي والبحث العلمي، والشباب والرياضة، والثقافة، ومحافظة الإسكندرية.

وأعلن الدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية عن وثيقة الإسكندرية الصادره عن المؤتمر، وبنودها كالتالى:


مقدمة عن مفهوم الهوية

مصر أمة ذات جذور حضارية عريقة بين مختلف الأمم والحضارات، شهدت نشأة الدولة المركزية واستمرارها عبر العصور المختلفة. ومنذ توحيد القطرين في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد، عاش المصريون على أرض واحدة في وادي النيل ودلتاه، وقدَّموا رصيدًا حضاريًّا متصلًا. وأسهم هذا العمق الحضاري والحضور المكاني في تشكيل حضارة جمعت بين المعرفة والعمران والقيم الأخلاقية والروحية، وتفاعلت مع حضارات مختلفة بصورة خلَّاقة.

وتشكلت الهوية المصرية عبر هذا التاريخ الطويل بمقتضى التفاعل الخلَّاق بين الحضارة المصرية وحضارات أخرى متنوعة، وانصهرت في نسيج ثقافي مشترك، وهذا ما يؤكِّده الدستور المصري حين يُلزم الدولة بالحفاظ على الهوية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة (المادة ٤٧). وقد مثَّل تماسك المجتمع المصري وقيمه المشتركة مصدرًا من مصادر قوته على تجاوز كثير من التحديات والأزمات والحروب والاعتداءات الخارجية.

تأتي هذه الوثيقة ثمرة لحوار مجتمعي واسع وجهود مؤسسية تشاركية بين مختلف الهيئات الحكومية والأهلية والخاصة، بهدف تعزيز الهوية المصرية بمقومات ثلاثة: كونها أساسًا للتماسك الاجتماعي والمواطنة، وركيزة أساسية للتنمية والتقدم، وإطارًا للتفاعل المنفتح مع العالم. ويكتسب هذا الجهد أهميته في مرحلة تشهد فيها الهويات الوطنية تحديات كبيرة بفعل العولمة والتحول الرقمي والتوترات والأزمات العالمية والإقليمية المحيطة بالمنطقة العربية. وتسعى الوثيقة إلى تعزيز هوية وطنية جامعة ومتجددة، تستند إلى الركائز الحضارية المشتركة للمصريين، وتتسع لتنوعهم، وتشكِّل أساسًا للتماسك الاجتماعي والمواطنة النشطة والتنمية المستدامة، بما يتيح لكلِّ المصريين أن يجدوا فيها أنفسهم.

تخاطب هذه الوثيقة أطرافًا متعددة في إطار الشراكة المجتمعية بين المؤسسات الحكومية والأهلية، وتشمل هذه الأطراف: الأسرة، والتعليم، والإعلام، والمؤسسات الدينية، والمؤسسات الثقافية، والمجتمع المدني، وتخاطب أيضًا الكيانات التي تعمل على التواصل مع المصريين في الخارج.

أولًا: ماذا نقصد بالهوية المصرية؟

تُعرف الهوية المصرية، بحسب هذه الوثيقة، بكونها منظومة من الركائز المشتركة التي تشكَّلت عبر التاريخ الممتدّ للمصريين على أرضهم، من ذاكرة تاريخية جامعة، وروافد حضارية متنوعة، ولغة، وقيم روحية وأخلاقية مستمدَّة من الأديان السماوية ومن الموروث الحضاري المصري والتراث الثقافي والرموز الوطنية المشتركة، والتي يعي المصريون من خلالها انتماءهم إلى أمة واحدة، ويختلفون بها عن غيرهم ويرتبطون فيما بينهم برابطة المواطنة التي يكفلها الدستور. وهي هوية متصلة في ركائزها، متطورة في أشكال التعبير عنها، وتتَّسع لجميع فئات المصريين، وتستوعب تفاعلهم مع محيطهم العربي والإفريقي والمتوسطي والإنساني.

 

ثانيًا: منطلقات نظرية

1- إن الهوية هي السمت العامّ للمجتمع، الذي يعكس روحه وضميره الجمعي وقيمه المشتركة وذاكرته الوطنية، ويؤطِّر الإجماعَ الوطنيَّ والتشاركيةَ الاجتماعية.

2- تُعَدُّ الهوية أحد مكوّنات القوة الشاملة للدولة، فهذه القوة تستند في جوهرها إلى قوة الروابط الاجتماعية وقوة التوافق الاجتماعي والتشاركية الاجتماعية، النابعة من المشاعر العميقة المرتبطة بالهوية، وهي القاعدة الصلبة التي تستند إليها عمليات الاستقرار الجمعي والاستدامة.

3- الهوية ليست كيانًا يقع خارج الأفراد، بل هي إطار كلي جامع يتأسس في نفوس الأفراد وعقولهم ومخيالهم الاجتماعي، ويتجلى في مشاعرهم المشتركة تجاه وطنهم وتاريخه، وفي عاداتهم وتقاليدهم ومنتجاتهم الثقافية (المادية والمعنوية)، وأنماط عمرانهم وأساليب حياتهم، وذوقهم العام.

4- تتشكل الهوية عبر عمليات طويلة من التراكم الثقافي، وهي تكتسب عمقها من عمق التاريخ وامتداده الزمني. عندما يتمدد التاريخ في عمق الزمن، تتعدد الحقب، وتتعدد الخطابات، ولكنها تنصهر وتندمج بقوة المشاعر المشتركة والتجانس الاجتماعي والثقافي.

5- اللغة هي العمود الفقري لبناء الهوية، فعبر اللغة تتراكم المعارف المشتركة والمعتقدات والأفكار، ومن خلالها يتشكل التواصل الاجتماعي، وتتشكل الرموز والمعاني المشتركة التي تبثُّ في أبناء الأمة مشاعرهم وأحاسيسهم المشتركة التي تشير إلى ما يحملونه في ذواتهم من انتماء إلى الوطن وارتباط بالأرض وبالثقافة التي تُبنَى عليها حياة من يعيشون عليها.

إنها التشاركية الاجتماعية، التي تنبثق منها الهوية الوطنية التي نحملها في نفوسنا وعقولنا. وأفراد المجتمع هم الذين يحملون اللغة، وهم الذين يستخدمونها لبناء تواصلهم الاجتماعي الذي يُفضي إلى شراكة في المعاني والمشاعر والرموز، ومشاركة في بناء العمران المستقر. ومن ثم فإن اللغة وحدها ليست هي الحاملة للعصا السحرية للبناء؛ فالأفراد، المواطنون هم الذين يستخدمون اللغة، وينخرطون في علاقات التواصل. ولذلك فإن المجتمع يكون مسئولًا عن تنشئتهم بالطريقة التي تمكِّنهم من بناء تواصل تشاركي يعضد مشاعر الهوية.

6- لا سبيل إلى تحقيق تشاركية اجتماعية فعالة إلا بالانتقال من بناء الفرد إلى بناء المجتمع؛ بناء الأمة التي يتعاون المواطنون فيها على استدامة العمران واستقراره، وكلاهما يُعدُّ شرطًا لتعضيد الهوية وتماسكها. والسبيل إلى تحقيق ذلك يتطلب النظر في الآليات الكبرى لاستدامة العمران، أو المرتكزات العامة للتشاركية الاجتماعية، ومن أهمها:

‌أ- عمومية المساواة والمسئولية: فإذا كان الأفراد يتساوون في الحقوق والواجبات بحكم الدستور والمبادئ الإنسانية العامة، فإنهم يتساوون في مسئولية الشراكة الاجتماعية. لا أحد يُترك في الخلف، ولا أحد يجلس هناك للفرجة، الكلُّ يعمل وينجز، والكلُّ يشارك؛ فبناء الأمة هو مسئولية الجميع. والهوية الوطنية هي في النهاية تعبير عن المجموع، عن الروح الكلية للمجتمع، رغم تعدُّد الهويات الفردية وفقًا للظروف الخاصة بكلِّ فرد.

‌ب-  عمومية الثقة: وهي ضرورية لبناء التواصل الإيجابي الفعال، وبناء المسئولية المشتركة. تعمل الثقة على إزاحة مشاعر الشكِّ والريبة، والرغبة في التباعد والانسحاب؛ وتؤسِّس في المقابل لمشاعر الاندماج والالتزام، وبناء العلاقات الإيجابية التي تنقل المواطنين من الدوائر الفردية الضيقة إلى الدوائر العامة.

‌ج-  عمومية العقل الجمعي: تفضي الثقة العمومية إلى تكوين مجتمع يشعر كلُّ فرد بأنه عضو فيه، وتسري فيه مشاعر جمعية تؤسِّس لما يُعرف بالعقل الجمعي أو الضمير الجمعي أو الروح الكلية أو الذات الجماعية، وهي ضرورة لاستدامة الهوية واستقرارها. وغالبًا ما يتبلور العقل الجمعي عبر الإجماع على مجموعة من الأفكار والمبادئ التي يؤمن بها الجميع، والتي تتأصل في النفوس والعقول بصرف النظر عن التنوع الاجتماع والثقافي.

‌د- عمومية الذاكرة الجمعية: تستمر الهوية وتستقر بالتواصل بين الماضي والحاضر. ويُعَدُّ التذكر الجمعي إحدى الأدوات الراسخة في تحقيق هذا التواصل. إن بناء الذاكرة الجمعية يعمل من ناحية على ترسيخ المشاعر العمومية ومن ثم بناء الذات الكلية، ويعمل من ناحية أخرى على تحفيز الإرادة من أجل بناء المستقبل. ويتحقق التذكر الجمعي من خلال المحافظة على التراث المادي والمعنوي للأمة، وبناء الوعي بالتاريخ وأحداثه المهمة، واستخلاص الدروس من الانتصارات والانكسارات، والاحتفاء بالأبطال والشهداء والمبدعين على مرِّ التاريخ.

7- ثمة إدراك بأن العصر الرقمي المعاصر يموج بالمخاطر، ولا سبيل إلى بناء هوية جامعة في العصر الرقمي مؤسَّسة على التضامنية والتشاركية إلا من خلال نموذج جديد للبناء والتنشئة، عبر دعم الأسرة وتقوية روابطها وتقديم تعليم عالي الجودة في المدارس والجامعات، وإعلام فعَّال قادر على خلق آليات جديدة للعمل والتواصل مع القطاعات العريضة من الشباب.

 

ثالثًا: مرتكزات الهوية المصرية

ترتكز الهوية الوطنية المصرية على مجموعة من الأسس المشتركة التي تشكلت عبر التاريخ الممتد، وتتكامل فيما بينها لتمنح المصريين تماسكهم واستمراريتهم، وتتسع في الوقت ذاته لجميع الفئات الاجتماعية في المجتمع المصري. وتتمثل هذه الركائز فيما يأتي:

1- وحدة واستمرار أرض مصر
تُعَدُّ أرض مصر بوادي النيل ودلتاه وصحاريها وسواحلها، الإطار الذي تشكَّلت فيه الحضارة المصرية واستمرت عبر آلاف السنين. وقد أسهم نهر النيل في توحيد حياة المصريين ونشاطهم، وأسهم موقع مصر عند ملتقى إفريقيا وآسيا، وإطلالها على البحرين المتوسط والأحمر في جعلها ملتقى للحضارات والثقافات. ولهذا يُعدُّ الارتباط بالأرض والحفاظ عليها ركيزة أساسية من ركائز الانتماء الوطني.

2- الذاكرة التاريخية المتصلة
تستند الهوية المصرية إلى ذاكرة تاريخية ممتدة، تتعاقب فيها مراحل حضارية متعددة، أسهمت كلُّ مرحلة منها بروافدها في تشكيل وعي المصريين بحضارتهم وتراثهم الثقافي. وتمثِّل هذه المراحل حلقات متصلة في مسيرة حضارية واحدة، وتُجسِّد وعيًا مشتركًا لدى المصريين بوحدة مصيرهم واستمرارية وجودهم الوطني في مواجهة التحديات.

3- اللغة العربية أداة للتواصل ووعاء للثقافة المصرية
اللغة العربية هي اللغة الرسمية، والوعاء الجامع للثقافة المشتركة، وأداة التواصل والتعبير بين المصريين، وهي الرابط الذي يصل مصر بمحيطها العربي. وتمثِّل اللهجات العامية منها جزءًا من ثراء الثقافة المصرية، ويقتضي صون اللغة العربية تعزيز حضورها المؤثر في مجالات التعليم وإنتاج وتداول المعرفة والإبداع داخل الفضاء الرقمي وخارجه.

4- منظومة القيم الروحية والأخلاقية
يتقاسم المصريون منظومة من القيم الروحية والأخلاقية المستمدة من الأديان السماوية ومن الموروث الحضاري المصري، ومن أبرزها قيم الأسرة، والتضامن والتكافل، واحترام العمل والتسامح. وتمثل هذه القيم أساس التماسك الاجتماعي، وقد أسهمت في قدرة المجتمع المصري على مواجهة ما مرَّ به من تحديات عبر تاريخه.

5- ثراء التراث الثقافي المصري
يشمل التراث الثقافي المصري التراث المادي من آثار ومبانٍ ومواقع تاريخية، والتراث غير المادي من ممارسات اجتماعية ومعارف وعادات متوارثة، إلى جانب التراث الفني والأدبي والعلمي الذي أبدعه المصريون عبر العصور.

ويمثل هذا التراث قلب الهوية المصرية النابض بالحياة بروافدها الحضارية المتنوعة والصورة الحية للذاكرة الوطنية الجديرة بالصون والحماية.

6- رموز وطنية ملهمة للفخر بالمصرية
تجسِّد الرموز الوطنية، وفي مقدمتها العلَم، والنشيد الوطني، والمناسبات الوطنية، والشخصيات الوطنية المؤثرة في التاريخ المصري القديم والحديث والمعاصر، معاني الانتماء والوحدة، وتعبّر عن تاريخ المصريين وتطلعاتهم المشتركة. ويُعدُّ احترام هذه الرموز، والوعي بدلالاتها، تعبيرًا عن الولاء للوطن والاعتزاز به.

7- المواطنة العادلة والجامعة 
تمثِّل المواطنة الرابطة القانونية والسياسية التي تجمع المصريين على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، دون تمييز، وفقًا لأحكام الدستور. وتمثِّل المواطنة الإطار الجامع الذي تتكامل فيه الركائز الأخرى، ويضمن أن تكون الهوية الوطنية لجميع المصريين على اختلاف أقاليمهم وانتماءاتهم الاجتماعية والدينية.

8- قوة مشاعر الانتماء
المصريون لديهم شعور قوي وعميق بالانتماء إلى الوطن، وهو شعور عامّ عابر للطبقات والمناطق الجغرافية في مصر. يعبِّر ذلك عن قدر مهمّ من التلاحم القائم على الهوية بين المصريين.


رابعًا: لماذا هذه الوثيقة؟

تصدر الوثيقة عن مبادئ راسخة حول المخاطر الاجتماعية التي تواجهها الهوية الوطنية والدور الذي تؤدِّيه الهوية في بناء المجتمعات واستمراريتها:

1- الوعي بالمخاطر التي تهدِّد الهوية

تمرُّ المجتمعات بحالة من تسارع التغير وظهور أشكال مستحدثة من الهيمنة الرقمية، وسيولة الحياة، وقابلية الروابط الاجتماعية للتفكك السريع، وتفشّي ثقافة الاستهلاك، وانتشار الفوضى في العالم الرقمي الذي تستخدم من خلاله أساليب خطِرة للتشويش على المرتكزات الأصيلة للمجتمعات، وعلى مدركات الشباب والأطفال، وتشكيل وعيهم على أُسس غريبة وهجينة، وتهديد الأسس التي تقوم عليها وسائط التواصل اللغوية والرمزية.

2- الهوية الوطنية تتأثر بالتحولات التي يمرُّ بها المجتمع

لا تبقى الهوية الوطنية على حالها، بل تتأثر بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتقنية، بحيث تقوى أو تضعف عبر الزمن، ومن ثم، تقتضي الضرورة أن يحظى هذا الموضوع باهتمام مستمرّ من الدولة والمجتمع المدني والمثقفين والعلماء، في النقاش العام والبحث العلمي والسياسات العامة.

3- التماسك الاجتماعي يؤدي دورًا أساسيًّا في تقدُّم المجتمعات وإسهامها الحضاري
ترتكز نهضة المجتمعات على أسس قيمية مشتركة، وحين تستند الهوية الوطنية الجامعة إلى هذه القيم تؤدي دورًا مهمًّا في تحقيق التقدم؛ إذ تسهم في تحقيق التماسك الاجتماعي اللازم لتعبئة طاقات المجتمع؛ وهو ما يعزِّز قدرته على تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وتجاوز الأزمات ومواجهة التحديات التي تتعدد صورها وأشكالها عبر العصور.

4- التماسك الاجتماعي يعزِّز مناعة المجتمع في مواجهة ما يستهدف تماسكه
يشهد العالم تحولات عميقة في البيئة المعلوماتية والاتصالية، تتسع معها ظواهر المعلومات المضللة، وخطاب الكراهية والتطرف، والخطابات التي تسعى إلى إثارة الانقسام، أو تشويه الذاكرة التاريخية المشتركة، أو إضعاف الثقة الاجتماعية لدى المصريين. ولا تقتصر آثار هذه الظواهر على مقومات القوة المادية للدولة، بل قد تمتدُّ إلى التماسك الاجتماعي والتوافق على الأولويات الوطنية. ومن ثم، تسعى هذه الوثيقة إلى تعزيز قدرة الدولة على مواجهة هذه التحديات، بترسيخ الوعي بالمخاطر التي تهدِّد تماسُك المجتمع، والمحافظة على الركائز المشتركة للهوية الوطنية.

5- تعزيز مكانة اللغة العربية يعضِّد الهوية ويوسِّع دائرة الثقافة المشتركة
تمثِّل اللغة العربية الوسيلة الأساسية لنقل الهوية والثقافة بين الأجيال، وهي أيضًا مستودع القيم والذاكرة التاريخية والإبداع المشترك للمصريين. وبناءً على ذلك، تواجه اللغة العربية اليوم تحديات متعددة وكبيرة؛ منها تراجُع حضورها في مجالات العلم والتعليم والفضاء الرقمي، وحلول لغات أجنبية محلها في بعض مجالات الحياة العامة، إلى جانب تحديات تتصل بتعليمها وتيسير إتقانها. وقد يؤدي استمرار هذه التحديات إلى إضعاف صلة الأطفال والنشء والشباب بتراثها الثقافي والحضاري، وإلى اتساع الفجوات بين الفئات الاجتماعية بحسب اللغة المستخدمة في التعليم. ومن ثم، تسعى هذه الوثيقة إلى تعزيز حضور العربية كلغة للمعرفة والإبداع، مع التأكيد على أهمية إتقان اللغات الأجنبية، من دون أن تحلَّ اللغات الأجنبية محلَّ اللغة الأمّ، ومن دون انتقاص من شأن العربية أو وصمٍ لمن يتعلمون بها.

6- دعم الأسرة في أداء دورها ضمان للاستقرار والاستمرار
تُعَدُّ الأسرة المصرية من أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية بصفة عامة، وتشكيل الهوية ونقلها بين الأجيال بصفة خاصة؛ إذ تمثِّل الإطار الأول الذي يكتسب فيه الفرد لغته وقيمه وأنماط سلوكه وذوقه، وتنتقل عبره الثقافة بجوانبها الظاهرة والضمنية. وقد أدَّت الأسرة، بمختلف أفرادها ولا سيَّما الأمهات، دورًا محوريًّا في نقل التراث الشفهي من حكايات وأمثال وأغانٍ وممارسات، وهو تراث لا تتناوله المؤسسات التعليمية بالضرورة. وتواجه الأسرة اليوم تحولات متعددة تؤثر في أداء هذا الدور؛ منها الضغوط الاقتصادية، وتغيُّر أنماط المعيشة وبنية الأسرة، واتساع حضور الفضاء الرقمي في الحياة اليومية للأجيال الجديدة، بما يعرِّض الأجيال الجديدة لمؤثرات ثقافية وقيمية متنوعة، ويترتب على ذلك فجوة معرفية وتقنية بين الأجيال. ومن ثم، تسعى هذه الوثيقة إلى دعم الأسرة وتمكينها من أداء دورها في التنشئة في ظلِّ هذه التحولات، وتعزيز الحوار بين الأجيال، وتكامل دورها مع أدوار المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في تشكيل الهوية المصرية وتعزيزها.

7- دعم العمل المؤسسي في تربية النشء حصن لمواجهة المخاطر
النشء هم عماد المستقبل، وهم أكثر الفئات تأثرًا بالمخاطر التي تهدِّد التماسك الاجتماعي، خاصة المؤثرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي، والانحدار في اللغة الوطنية. ومن ثم فإن من الأهمية بمكان أن يتعمق لدينا التوجه بالعناية الفائقة بالمؤسسات المسئولة عن تأطير معارف النشء ومدركاتهم العقلية والوجدانية (المدارس، والجامعات، والمؤسسات الشبابية والإعلامية).

8- دعم التشاركية الاجتماعية
وذلك انطلاقًا من عمومية المسئولية الاجتماعية، التي تؤسِّس لروح التضامن والعمل المشترك. فبناء التلاحُم الوطني لا يتحقق إلا عبر شراكات بين المؤسسات الرسمية للدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاصّ والمواطنين في مجالات حياتهم اليومية؛ وذلك عبر إذكاء روح التضامن والاندماج والتطوع للخدمة العامة.

خامسًا: الأهداف الاستراتيجية

تسعى هذه الوثيقة، من خلال الشراكة المجتمعية، إلى تحقيق الأهداف التالية لتعزيز الهوية الوطنية المصرية:

1- ترسيخ الوعي بالتاريخ المصري الممتدّ وروافده الحضارية المتنوعة
تعزيز معرفة المصريين بتاريخهم الوطني بمراحله المتعاقبة، وتقديمه بوصفه مسيرة حضارية متصلة أسهمت روافدها المتنوعة في تشكيل الهوية المصرية.

2- صون التراث الثقافي المادي وغير المادي
حماية التراث الثقافي المادي وصون التراث غير المادي بالشراكة مع الجماعات الحاملة له، بما يكفل توثيقه واستمرار ممارسته بوصفه تراثًا حيًّا في حياة المصريين، وضمان انتقاله عبر الأجيال، وإحياء ما يتعرض منه للاندثار.

3- صون وتنمية التراث الفني والأدبي والعلمي المصري
صون التراث المصري في مجالات الفنون والآداب والعلوم بمختلف أشكاله، ويشمل ذلك التراث الفني في الموسيقى والغناء وفنون الأداء والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والحرف الفنية، والتراث الأدبي بأنواعه المختلفة، والتراث العلمي في العلوم الطبيعية والتطبيقية والاجتماعية والإنسانية، وذلك بتوثيقه وحفظه وإتاحته للأجيال المتعاقبة، وتقدير روَّاده من الفنانين والأدباء والعلماء، ودعم امتداد عطائهم في الإبداع والإنتاج المعرفي المعاصر.

4- تعزيز مكانة اللغة العربية
تعزيز حضور اللغة العربية في مجالات التعليم والعلم والإعلام والثقافة والفضاء الرقمي بوصفها لغة قادرة على إنتاج المعرفة والإبداع وتداولهما، ودعم حركة الترجمة من العربية وإليها.

5- بناء وتعزيز القوى الخلاقة والابتكارية
وذلك عبر تمكين الشباب ورعايتهم، ووضع الآليات الضرورية لدعم الابتكار والإبداع في المجالات التكنولوجية والثقافية، واكتشاف الموهوبين ورعايتهم. ويجب ألا تنفصل عمليات دعم الإبداع والابتكار عن عمليات البناء العقلي والوجداني والبدني للأطفال والشباب عبر نماذج مدنية للتنشئة والتعليم عالي الجودة وتطوير آليات لحمايتهم من مخاطر الولوج إلى الفوضى والتأطير السلبي القادم من العالم الرقمي.

6- ترسيخ منظومة القيم المشتركة
ترسيخ القيم الإنسانية والروحية والأخلاقية المستمدة من الأديان السماوية ومن الموروث الحضاري المصري، ويشمل ذلك قيم المواطنة والتسامح والتضامن والثقة وعدم التمييز.

7- احترام التنوع وضمان الحقوق الثقافية
إبراز التنوع الثقافي في مختلف المناطق الريفية والحضرية والساحلية والبدوية والصحراوية بما يشمل فئات المجتمع المصري كافة، باعتبار أن هذا التنوع مكون أصيلٌ من مكونات الهوية الوطنية المصرية، وكفالة الحق في الثقافة لجميع المصريين دون تمييز بسبب القدرة المالية أو الموقع الجغرافي أو الانتماءات الاجتماعية والدينية والقبلية، مع إعطاء الأولوية للمناطق النائية والفئات الأكثر احتياجًا والأشخاص ذوي الإعاقة.

8- تعزيز الوعي بالرموز الوطنية وتقديرها
صون الرموز الوطنية، بما في ذلك العلَم، والنشيد الوطني، والشعارات، والمناسبات، والمعالم، والشخصيات الوطنية المؤثرة في التاريخ المصري القديم والحديث والمعاصر، والقيم التي تمثلها، ويقتضي ذلك حماية الرموز الوطنية من الإساءة وسوء التعامل، وتعزيز حضورها اللائق في الفضاء العام والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية والمحتوى الرقمي. 

9- تعزيز قدرة المجتمع على التعامل الواعي مع التحولات المعاصرة والرقمية
تنمية الوعي النقدي والوعي بالثقافة الرقمية، ولا سيَّما لدى الأجيال الجديدة، ودعم الإنتاج الإبداعي والرقمي المستلهم من الثقافة المصرية، وإشراك الشباب في تصميم البرامج الثقافية وتنفيذها.

10- دعم التفاعل المنفتح مع العالم
تعزيز التبادل الثقافي مع المحيط العربي والإفريقي والمتوسطي والدولي، ودعم حضور الثقافة المصرية بتنوعها في المحافل الإقليمية والدولية، وتوثيق صلة المصريين في الخارج بثقافتهم الوطنية، بما يتسق مع الالتزامات الدولية لمصر في المجال الثقافي.

11- تعزيز الصلابة المجتمعية
تعزيز قدرة المجتمع على الصمود في مواجهة جميع الأزمات الداخلية والخارجية، وتطوير آليات للمرونة والتكيُّف، والعمل على بناء ثقافة ذات أبعاد إيجابية تؤدي إلى تعميق الثقة بين أجهزة الحكم وإدارة الخدمات العامة والمواطنين، ونشر قيم الاحترام والتسامح والتعاطف ونبذ الاستغلال والاستعلاء والكراهية.

سادسًا: ماذا بعد؟

1- من الوثيقة إلى التطبيق: يُتوقَّع أن تُنتج أوراق هذا المؤتمر والمناقشات التي دارت فيه آليات عمل تطبيقية تُصاغ في برامج فعلية، ويجري العمل عليها من خلال الوزارات المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني أو المبادرات الفردية.

2- الاستمرارية والاستدامة: فهذه الوثيقة تدعو إلى أن يُعقد هذا المؤتمر على نحوٍ دوري في شهر سبتمبر من كلِّ عام، وأن تُعقَد حلقات نقاشية ومؤتمرات بمشاركة المحافظات والجامعات ومراكز الشباب والمؤسسات الإعلامية والمصريين في الخارج؛ بما يضمن استمرار حضور خطاب الهوية الوطنية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة