تحركات مكثفة يجريها نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، على هامش أعمال الشق رفيع المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، امتدت من الأمم المتحدة ومؤسساتها إلى منظمة التعاون الإسلامي، بالتوازي مع لقاءات مع مسؤولين عرب، في محاولة لفتح مسارات متعددة للتحرك العربي في لحظة تشهد فيها المنطقة تصعيدًا متسارعًا وتداخلًا بين الأزمات السياسية والأمنية والإنسانية والتنموية.
وتكشف خريطة اللقاءات التي أجراها فهمي منذ وصوله إلى نيويورك عن مجموعة من الأولويات التي تتحرك عليها الجامعة العربية، تتصدرها القضية الفلسطينية والتصعيد الإقليمي وأمن الملاحة، إلى جانب الأزمات في السودان واليمن وسوريا ولبنان وليبيا والصومال، فيما برز مسار آخر يتعلق بتطوير علاقة الجامعة بمؤسسات الأمم المتحدة والانتقال بالتعاون معها من التنسيق إلى تنفيذ مبادرات مشتركة.
جوتيريش.. التصعيد الإقليمي في صدارة التحركات
وجاء لقاء فهمي مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش ليضع الإطار السياسي الأوسع لتحركات الجامعة في نيويورك، إذ تناول الجانبان التصعيد الذي تشهده المنطقة وانعكاساته على الأمن والاستقرار وحركة الملاحة الدولية وأمن الطاقة والتجارة العالمية.
وأكد فهمي خلال اللقاء تضامن الجامعة مع الدول العربية في صون أمنها وسيادتها وسلامة منشآتها الحيوية، مشددًا على أن حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر مبدأ يستند إلى القانون الدولي، فيما اتفق الجانبان على أن احتواء التصعيد يتطلب تحركًا دوليًا يتعامل مع أسبابه ولا يقتصر على إدارة تداعياته.
ولم ينفصل الملف الفلسطيني عن هذا النقاش، إذ تناول اللقاء الأوضاع في غزة والضفة الغربية والقدس، مع تأكيد فهمي ضرورة ترجمة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية إلى خطوات تقود إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب رفض أي ترتيبات تفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.
وامتدت المباحثات إلى سوريا ولبنان واليمن وليبيا والسودان، حيث جدد الجانبان الدعوة إلى وقف إطلاق النار في السودان وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية، بالتوازي مع التأكيد على استمرار الشراكة بين الجامعة العربية والأمم المتحدة في التعامل مع أزمات المنطقة.
العراق.. التشاور العربي في مواجهة التصعيد
وفي المسار العربي، التقى فهمي رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، حيث ناقش الجانبان التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة وسبل تنسيق الجهود للوصول إلى التهدئة واستعادة الأمن والاستقرار.
مع رئيس وزراء العراق
وأكد فهمي خلال اللقاء المكانة المتميزة للعراق داخل منظومة العمل العربي المشترك، والحرص على استمرار التشاور والتنسيق الوثيق مع بغداد، بما يعزز فعالية الجامعة العربية وقدرتها على خدمة المصالح العربية المشتركة.
ويضع اللقاء العراق ضمن دائرة المشاورات العربية التي يجريها الأمين العام في نيويورك بشأن كيفية التعامل مع التصعيد، بالتوازي مع لقاءاته مع الأطراف الدولية والإقليمية.
أمن الخليج والملاحة الدولية
كما برز أمن الخليج وحرية الملاحة ضمن الملفات الرئيسية في تحركات فهمي، خلال لقائه وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، حيث ناقش الجانبان تطورات الأوضاع في الخليج العربي، ولا سيما في مضيق هرمز.
مع وزير خارجية البحرين
وجدد فهمي تضامن الجامعة مع البحرين ودول الخليج العربية في صون أمنها وسيادتها وسلامة منشآتها الحيوية، مؤكدًا أهمية الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، فيما تناول اللقاء كذلك تنسيق المواقف العربية بشأن القضايا المطروحة أمام الجمعية العامة والاجتماعات الوزارية العربية والدولية المنعقدة في نيويورك.
فلسطين والقدس.. مسار عربي إسلامي
وتحتل القضية الفلسطينية مساحة رئيسية في تحركات الأمين العام، وهو ما ظهر بصورة واضحة خلال لقائه إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، إذ بحث الجانبان الأوضاع في غزة والضفة الغربية والقدس وسبل تكثيف التحرك العربي والإسلامي المشترك على الساحة الدولية.
مع أمين عام التعاون الإسلامي
وتطرق اللقاء إلى التحضيرات للاجتماع الوزاري المشترك بين جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بشأن القدس، والمقرر عقده في نيويورك الجمعة 25 سبتمبر، بهدف تعزيز التحرك المشترك دفاعًا عن المدينة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية ورفض الإجراءات التي تستهدف تغيير وضعها القانوني والتاريخي.
كما تناول الجانبان ملفات السودان واليمن والصومال، وأكدا أهمية تنسيق المواقف في المحافل الدولية ودعم الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة، بما يعكس اتساع نطاق التعاون المستهدف بين المنظمتين إلى ما يتجاوز الملف الفلسطيني.
من الأزمات الإنسانية إلى التنمية
ولم تقتصر لقاءات فهمي على الملفات السياسية والأمنية، إذ تحرك بالتوازي على المسارين الإنساني والتنموي، في محاولة لربط التعامل مع الأزمات الراهنة بتداعياتها الأوسع على الدول والمجتمعات العربية.
وخلال لقائه توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، تناول الجانبان الجهود الإنسانية للأمم المتحدة في المنطقة العربية، خصوصًا في غزة والسودان والصومال، مع تأكيد استعداد الجامعة لتعزيز التعاون مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
أما لقاء فهمي مع ألكسندر دي كرو، وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة ومدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد نقل التحركات إلى مستوى آخر يتعلق بتداعيات الأزمات السياسية والأمنية على جهود التنمية المستدامة في الدول العربية.
مع ألكسندر كرو
وأكد فهمي أهمية تطوير العمل التنموي العربي المشترك وتعزيز قدرة الجامعة على المبادرة والاستباق والتعامل الفاعل مع الأزمات، داعيًا إلى الانتقال من مجرد التنسيق إلى الانخراط في التنفيذ من خلال مبادرات مشتركة محددة الأهداف والجداول الزمنية، فيما اتفق الجانبان على تطوير التعاون المؤسسي بين الجامعة والبرنامج الإنمائي.
ثلاثة مسارات لتحرك الجامعة في نيويورك
وتشير حصيلة لقاءات فهمي إلى تحرك الجامعة العربية عبر ثلاثة مسارات متوازية؛ الأول سياسي وأمني يستهدف خفض التصعيد والحفاظ على سيادة الدول العربية وأمن الملاحة، والثاني يركز على فلسطين وحشد تحرك عربي وإسلامي ودولي بشأن غزة والضفة والقدس، بينما يرتبط الثالث بتوسيع التعاون المؤسسي مع منظومة الأمم المتحدة في الملفات الإنسانية والتنموية.
وتتقاطع هذه المسارات عند محاولة توسيع مساحة الحركة أمام الجامعة في التعامل مع أزمات لم تعد تداعياتها محصورة في الجانب السياسي أو الأمني، وإنما تمتد إلى الطاقة والتجارة والملاحة والتنمية والأوضاع الإنسانية.