لم يعد الحديث عن استهداف الدولة المصرية مجرد قراءة في سيناريوهات الخيال السياسي أو شطحًا تحليليًا؛ بل هو الواقع الميداني الذي تفترضه خريطة الشرق الأوسط المشتعلة. إن الجغرافيا السياسية لهذه المنطقة أثبتت عبر العقود أن مصر ليست مجرد دولة حيوية في محيطها، بل هي "قلب النظام العربي وعمود خيمته"؛ إذا اهتزت اضطرب الإقليم برُمّته، وإذا سقطت انهارت جغرافيا المنطقة بالكامل، ومتى استعادت عافيتها عاد التوازن لأمة أرهقها الصراع.
من يقرأ التحركات الأخيرة بالمنطقة بوعي متجرد، يدرك فورًا أن ما يشهده الإقليم اليوم—من تصعيد عسكري، وتوسع مفرط، وتهجير قسري للأراضي في فلسطين ولبنان بتنسيق وتغطية كاملة من المشروع الأمريكي-الصهيوني—ليس وليد اللحظة. إنه امتداد متصل للمخطط الذي انطلق عام 2011 تحت شعارات براقة، بهدف تفكيك الجيوش الوطنية وتحويل المنطقة إلى دوائر نفوذ مقسمة. ومع صمود المؤسسة الوطنية المصرية وسقوط مخطط التقسيم المباشر، تحولت أدوات المواجهة من الحسم العسكري المباشر إلى استراتيجية "الإنهاك بالتطويق العسكري والخنق الاقتصادي".
خريطة التطويق: الخنق من الخارج والإضعاف من الداخل
تعتمد استراتيجية استهداف مصر في مرحلتها الحالية على أدوات مرنة تتغير بتغير المعطيات، وتتلخص في محاور متوازية:
1. حصارات الأمن القومي على امتداد الحدود: محاولة تطويق مصر بخرائط اشتعال كاملة؛ من الفوضى السياسية والمسلحة غربًا في ليبيا، والمأساة والنزاع المسلح جنوبًا في السودان منذ 2023، والمخططات الصهيونية للتهجير وإعادة الهندسة الديموغرافية شرقًا في غزة، وصولاً إلى تهديد الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر جنوب شرق. الهدف المباشر ليس بالضرورة صدامًا عسكريًا مباشرًا، بل إبقاء الدولة في حالة استنزاف مالي وعسكري ودبلوماسي دائم.
2. استهداف الموارد والخنق الاقتصادي: الضغط المباشر على ملفات بقاء حيوية، وفي مقدمتها الأمن المائي عبر أزمة سد النهضة والتلاعب بمنابع النيل، بالتوازي مع استغلال الأزمات الاقتصادية العالمية وتأثر الموارد السيادية (مثل تراجع إيرادات قناة السويس نتيجة توترات الملاحة) لتعميق المعاناة المعيشية للشارع، بغية خلق حالة من السخط الاجتماعي والتآكل الداخلي.
3. حروب الوعي والجيلين الرابع والخامس: الضخ الممنهج للشائعات، وتطوير خوارزميات التزييف عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتفكيك ثقة المواطن بمؤسساته عبر حملات تشكيك متواصلة تستهدف كل خطوة أو مشروع تنموي، لإنشاء فجوة بين الشارع والدولة يُنفذ منها عند أول هزّة إقليمية.
رسائل المواجهة: صراحة القيادة وتحذير الاستعلاء
في هذا التوقيت الفاصل، جاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي لتنزع الغطاء عن أوهام الاستقرار العابر، ولتضع النقاط على الحروف أمام الشارع. فحين أشار بوضوح إلى أن "ما حدث في 2011-2013 لم ينتهِ"، كان يوجه تذكيرًا مباشرًا بأن الأداة فقط هي التي تغيرت، بينما الهدف—وهو تفكيك الدولة الوطنية—ظل ثابتًا على أجندة القوى الإقليمية والدولية.
كما جاء تأكيده الحاسم على أن "القضية ليست الحفاظ على شخص الرئيس أو الحكومة، بل الحفاظ على الدولة المصرية ومؤسساتها" ليقطع الطريق على محاولات اختزال الوطن في سلطة أو أشخاص، ويُعيد المعركة إلى حجمها الحقيقي: صراع وجود لبقاء الدولة نسيجًا وجغرافيا.
ولعل الرسالة الأكثر عمقًا في كلماته هي تحذيره المباشر من آفة "الاستعلاء" بكافة صوره—سواء بالمنصب، أو الوظيفة، أو العلم، أو التدين. فالاستعلاء يولد طباقية مقيتة وتنافرًا مجتمعيًا ينخر في جدار الدولة الصلب؛ فالوطن الذي صمد أمام العواصف والمؤامرات الخارجية لا يمكن أن يسمح للتكبر أو الفوارق الاجتماعية أن تمزق رابطته الشعبية من الداخل.
خارطة طريق للمواجهة: من التشخيص إلى البقاء
إن حماية مصر من مقصلة الفوضى وحرب الاستنزاف الممتدة تتطلب الانتقال من مرحلة التوصيف إلى استراتيجية تنفيذية شاملة:
• تغيير الخطاب الإعلامي وبناء جدار صلب من المصارحة: التخلي الجذري عن الأدبيات الإعلامية التقليدية وسياسة الصمت أو التأخر في الصدور؛ والتحول نحو "إعلام المكاشفة والمصارحة" بملكية الأرقام وحقائق التحديات فور حدوثها. إن الفراغ الإعلامي يُملأ فورًا بالشائعات والروايات المعادية، والشفافية المطلقة بالاستناد إلى البيانات الموثوقة والوسائط الرقمية الحديثة هي السلاح الوحيد لردم الفجوة مع الشارع، وتحويل المواطن من موقع "المستمع الحائر" إلى "الشريك الواعي والفاعل" في حماية أمنه القومي.
• إعادة تكوين وعي الشباب ونشر الثقافة الوطنية: إطلاق استراتيجية قومية تنويرية تستهدف إعادة بناء وعي أجيال الشباب وتصفيته من شوائب الاستقطاب والتزييف الإلكتروني؛ عبر تحديث المناهج التعليمية لتعزيز التفكير النقدي، وتفعيل دور قصور الثقافة والمؤسسات الشبابية كمنصات للحوار الوطني المفتوح. إن نشر الفهم الجيوسياسي العميق وتفكيك خوارزميات التشكيك الموجهة عبر منصات التواصل هما خط الدفاع الأول لتحويل الشباب من هدف سهل للمؤامرات إلى حائط صد منيع يصون مقدرات الوطن والمواطن.
• تحصين الجبهة الداخلية وترسيخ العدالة: تفعيل التوجيهات ضد كل أشكال التهميش والاستعلاء؛ عبر ترسيخ العدالة الناجزة، وتكافؤ الفرص، وتعميق الشعور العام بأن الدولة ملكٌ للجميع ومؤسساتها خادمة للشعب، مما يصنع جبهة داخلية عصية على التفتيت.
• الاستقلالية الاقتصادية وتوطين الإنتاج: الخروج من دوائر الضغط الخارجي لن يتحقق إلا بتركيز مطلق على توطين الصناعات الحيوية، وتحقيق الحد الأقصى من الأمن الغذائي والمائي، والاعتماد على الموارد الذاتية لتقليل الحساسية الصادمة للأزمات العالمية والابتزاز السياسي.
• ترسيخ دولة المؤسسات: تقوية المؤسسات الوطنية (التنفيذية، والخدمية، والرقابية) لتكون قادرة على إدارة الأزمات العاصفة بكفاءة ومؤسسية مستدامة، بصرف النظر عن التغيرات الإدارية أو الأسماء.
كلمة أخيرة
مصر ليست ملكًا لرئيس، ولا حكومة، ولا مسؤول؛ مصر ملكٌ لأهلها، لرجالها، وشبابها، وسيداتها. الحفاظ على هذا الوطن ليس شعارًا يُردد في المناسبات، بل هو مسؤولية فردية وجماعية تقع على عاتق كل من يحمل هويتها. إن الدولة التي عبرت أعتى عواصف الإقليم وفككت مخططات تقسيم المنطقة بفضل الله ثم بوعي شعبها وبسالة مؤسساتها، قادرة على العبور مجددًا، بشرط أن يدرك الجميع أن المعركة لم تنتهِ بعد، بل انتقلت من ميادين المواجهة العسكرية المباشرة إلى معارك الوعي، والاقتصاد، والبناء الداخلي.