اشتدت وطأة المرض على الزعيم أحمد عرابى فى داره بالمنيرة، فأوصى أولاده بنشر مذكراته مهما قام فى وجوههم من عقبات، ليعلم الناس حقيقة أعماله والتى كتبها فى ثلاثة دفاتر كبيرة وفرغ منها فى 26 يوليو 1910، وأن يدأبوا على المطالبة بحقوقهم، ثم غاب عن الوعى ستة وثلاثين ساعة، ثم وافاه الأجل، فأصبح فى ذمة الله ودخل فى سجل التاريخ، حسبما يؤكد الكاتب «محمود الخفيف» فى كتابه «أحمد عرابى الزعيم المفترى عليه».
توفى «عرابى» فى 21 سبتمبر، مثل هذا اليوم، 1911، بأثر مرض سرطان المثانة، ويذكر «الخفيف»: «كان يعالجه ثلاثة أطباء هم أحمد بك عيسى ومحجوب ثابت وأنيس أنسى»، وكانت الوفاة بعد نحو 70 عاما من مولده بقرية «هرنة رزنة» بمحافظة الشرقية يوم 31 مارس 1841، ويذكر الدكتور عبدالمنعم الجميعى فى مقدمته بالجزء الأول لمذكرات عرابى «كشف الستار عن سر الأسرار فى النهضة المصرية المسماه بالثورة العرابية»: «دخل كتاب القرية فحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب على يد ميخائيل غطاس صراف القرية، وعندما بلغ الثامنة ذهب لإتمام تعليمه بالأزهر، ومكث فيه أربع سنوات ثم عاد إلى القرية، وفى 6 ديسمبر 1854 التحق بسلك العسكرية، بعد أن أمر الوالى سعيد باشا بانتظام أبناء العمد والمشايخ فى سلك الجندية وترقيتهم إلى رتبة الضباط من تحت السلاح، وكان أول فلاح مصرى ينطق بحق مصر، وتتمثل فى حركته القومية المصرية لدرجة أن تعلقت به الآمال».
انتكست ثورته بهزيمة التل الكبير فى 13 سبتمبر 1882، وعوقب بالنفى 19 عاما وعاد فى سنة 1901، ويذكر «الخفيف»: «بعد عودته تحاشى الوزراء وكبار الموظفين الاتصال به، وأحس أنه غريب فى وطنه، فقد أنكره أكثر من كانوا يلازمونه إبان سلطانه ومنهم من كان يود لو وجه إليه يومذاك عرابى نظرة أو حياه بتحية»، وفيما كان هذا الإنكار من أصحاب المناصب العليا، كانت شخصيات أبية لا تنكر فضله واستمرت على التواصل معه، حسبما يؤكد «الخفيف»، ومنهم، على فهمى باشا زميله فى الثورة والمنفى، وإبراهيم فوزى باشا مأمور ضبطية القاهرة إبان الثورة، والشيخ محمد خليل الهجرسى الصديق الوفى، والزبير باشا ومحمد بك الزمر، والسيد باشا شكرى المهندس، وأحمد بك ناشد مدير الشرقية فى أثناء الحرب، ورزق بك حجازى من رجال الثورة، وعبدالحميد باشا العبادى، وأحمد حمدى باشا، والشاعر حافظ إبراهيم، والدكتور محجوب ثابت ومحمد بك أبوشادى المحامى، وعلى بك آصف، ونفر قليل ممن كانوا يجلونه ويحبونه.
وعن مشاعر عامة المصريين نحوه، يذكر «الخفيف»: «حدثنى كثيرون ممن رأوه فى تلك الأيام فقالوا إنهم لن ينسوا قامته الطويلة ولا لحيته البيضاء ولا وجهه الذى تنبعث منه هيبة شديدة ويشع منها الإيمان والورع فى وقت واحد، ولن ينسوا إقبال الناس عليه كلما رأوا إشارتهم إليه وتزاحمهم لرؤيته إذا كان جالسا فى دكان أو فى مسجد وقولهم هذا عرابى».
غير أن صلاح عيسى يذكر فى كتابه «الثورة العرابية»: قبل أن يموت عرابى بشهور كان خارجا من المسجد الحسينى عقب صلاة العشاء فى إحدى ليالى رمضان، فإذا بشاب يبصق فى وجهه صائحا: «يا خائن»، ومسح الرجل الجليل وجهه، وأغلق باب منزله على نفسه شهورا طويلة، ترى ما الذى اعتصر قلبه فى تلك الشهور الحزينة؟، ذلك سر أخده معه إلى القبر، يضيف عيسى: «خرجت إحدى الصحف تكتب خبر وفاته فى مكان متواضع، قائلة: «علمنا أن المدعو أحمد عرابى صاحب الفتنة المشهورة باسمه قد توفى أمس».
ويكشف «الخفيف»: «كان من أشد ما يتألم منه وهو مقيم مع أولاده بعمارة البابلى بشارع خيرت، ضيق ذات يده، فمعاشه لم يكن يكفيه هو وأسرته الكثيرة العدد»، وظل على هذه المعاناة حتى أيامه الأخيرة، وحين توفى لم يكن لدى أولاده من المال ما يكفى لتجهيزه ودفنه، فاضطروا إلى عدم إعلان النبأ إلى اليوم التالى حتى قبضوا معاشه إذ صرفت وزارة المالية المرتبات والمعاشات فى هذا اليوم بمناسبة عيد الفطر، ولم يشيعه إلى مقره الأخير رجل رسمى واحد أو يحضر فى مأتمه، ولكن مصر الوفية التى أخافها الاحتلال فتباعدت عنه حيا، أبت ألا تكرمه ميتا فأحاط بنعشه الألوف من أبنائها، وتألفت من هؤلاء جنازة شعبية عظيمة سارت فى صمت وخشوع من داره بالمنيرة حتى أهيل عليه التراب فى قبره بالإمام الشافعى وسوى عليه بين ترحم المترجمين وبكاء الباكين».
يعلق صلاح عيسى: «الذى بصق فى وجه عرابى، والذى نشر نبأ نعيه، والذى تركه يعانى ذل الحاجة، لم يكن مصر، ولكنه جزء من أمة الخيانة، جزء من مصر المحتلة، مصر التى سادت الخبائث فيها وجه الحياة، واستأسدت فيها كلاب الطريق، أما معذبو الأرض الذين عاشوا الملحمة العرابية بكل أبعادها، فقد صانوا عهد الحب حتى النهاية».