يعيش تنظيم الإخوان الإرهابي حالة غير مسبوقة من التخبط والانقسام الهيكلي، تحولت معها البيانات الرسمية والتصريحات الإعلامية لقادة الجبهات المتناحرة إلى ساحة "ردح سياسي" وتراشق علني بالاتهامات، وخلال أسبوع واحد ظهرت حزمة من التصريحات والمواقف المتناقضة الصادرة عن رؤوس التنظيم في الخارج (لندن وإسطنبول)، والتي كشفت للعالم أن الشعارات الأيديولوجية التي طالما تغنت بها الجماعة الإرهابية لم تكن سوى غطاء لـصراع نفوذ شرس على أموال الاشتراكات والتمويلات الدولية، وفي السطور التالية نوضح تصريحات قادة جماعة الإخوان الإرهابية المتناقضة خلال أسبوع.
مزاعم الشرعية والشورى
خرج المتحدثون باسم جبهة لندن، جناح صلاح عبد الحق، ببيان يؤكد أن صلاح عبد الحق هو الممثل الشرعي الوحيد للتنظيم، وأن أي مجالس شورى تعقد خارج مظلتهم هي كيانات باطلة وممزقة للصف.
وفي نفس الأسبوع، أطل محمود حسين عبر كلمة مسجلة ليعلن أن جبهته هي الحارس الأمين لـ«لوائح الجماعة التاريخية»، واصفا قرارات جبهة لندن بالانقلاب غير الشرعي.
وهنا التناقض يثبت غياب أي مرجعية موحدة داخل التنظيم، وتحول «السمع والطاعة» إلى مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي.
صراع المليارات والاتهامات المالية
اتهمت منصات تابعة للندن قيادات إسطنبول باختلاس أموال «صندوق الإغاثة» واستثمارها في عقارات خاصة بشرق آسيا، وقطع المساعدات عن عائلات المعتقلين.
وردت منصات إسطنبول فورا باتهام جبهة لندن بالسيطرة غير القانونية على أصول التنظيم وبروتوكولاته المالية في بريطانيا، وتوظيفها لخدمة مصالح ضيقة.
وهو ما يمثل اعتراف رسمي متبادل بين القادة بأن أموال التبرعات تحولت إلى «غنائم شخصية» يتصارع عليها عجائز التنظيم في الخارج.
خطاب السلمية المزعوم
روجت الجبهة إعلاميا في العواصم الأوروبية لخطاب السلمية المطلقة ونفي أي صلة للجماعة الإرهابية بالعمل المسلح، خطبا لود الغرب.
وفي ذات الأسبوع، حرضت منصات إلكترونية تابعة لتيار الكماليين "التغيير" على العنف المشروط وشرعنة الحراك الميداني ضد مؤسسات الدولة.
وهنا نجد ازدواجية فجة تكشف عن توزيع أدوار مفضوح بين خطاب ناعم موجه للغرب وخطاب دموي موجه للقواعد.
بيانات الجبهات تكشف الصراع والتناقض
دخل القيادي الإخواني حلمي الجزار في مواجهة مع قيادات الجماعة، على خلفية مطالبته بعدم الخوض في أعراض الخصوم أو انتهاك حرماتهم تحت أي مبرر سياسي وجاء موقف الجزار ليفتح بابًا جديدًا من الصراع داخل التنظيم، بعدما رفض ما وصفه بممارسات تتجاوز حدود المعارضة السياسية، مؤكدا أن الخلاف السياسي لا يبرر التشهير بالأشخاص أو تناول أعراضهم وانتهاك حرماتهم
وأصدرت الجبهة التى يقودها محمود حسين بيانا في اليوم التالي مباشرة لمنشور الجزار، أكدت فيه أن مواقفها تجاه الأحداث والقضايا لا يتم التعبير عنها إلا من خلال الشخصيات والمنافذ المعتمدة من مؤسسات التنظيم، وفي مقدمتها مجلس الشورى العام داخل مصر وخارجها، والذي يتقدمه محمود حسين القائم بأعمال المرشد العام للجماعة.
3 أسباب تقود التنظيم إلى مزيد من الانقسام
تتداخل عدة عوامل في تفسير حالة التضارب التي باتت تطبع تصريحات ومواقف قيادات جماعة الإخوان الإرهابية خلال الفترة الأخيرة، في مقدمتها أزمة التمويل، وتآكل الهيكل التنظيمي، وتصاعد حالة الغضب بين الشباب والقواعد، وهي عوامل دفعت الخلافات الداخلية إلى الواجهة ووسعت مساحة الصراع بين الجبهات المتنافسة.
تجفيف منابع التمويل والملاحقات الدولية
أسهم التضييق الإقليمي والدولي على شبكات التمويل المرتبطة بالتنظيم الإرهابي في زيادة الضغوط على الجبهات المتنافسة، ودفع كل طرف إلى محاولة الحفاظ على ما تبقى من أصول ومشروعات استثمارية، بالتزامن مع تبادل الاتهامات والسعي إلى تحميل الطرف الآخر مسؤولية الأزمة أمام الممولين.
تآكل الهيكل التنظيمي
أدى استمرار الخلافات القيادية إلى إضعاف فكرة المرجعية التنظيمية الواحدة، مع تعدد مراكز القرار وتباين المواقف بين الجبهات الموجودة في الخارج. ومع هذا التفتت، تحولت المنصات الإعلامية التابعة لكل جبهة إلى مساحة لعرض المواقف المتعارضة وتبادل الاتهامات وتصفية الخلافات السياسية والتنظيمية.
تصاعد غضب الشباب والقواعد
على الجانب الآخر، برزت أصوات من شباب الجماعة الإرهابية في الخارج تنتقد أداء القيادات وطريقة إدارة الخلافات الداخلية، بينما تناولت تصريحات لبعض المنسحبين من التنظيم اتهامات للقيادات بالانشغال بالصراعات والمصالح الخاصة، في مقابل ترك القواعد والشباب أمام تداعيات الانقسام.
وتكشف التناقضات المتتالية في تصريحات ومواقف قيادات الإخوان الإرهابية خلال فترة قصيرة عن أزمة تتجاوز الخلاف بين أشخاص أو جبهات، وتمتد إلى بنية التنظيم نفسه، مع استمرار الصراع على السلطة والموارد والنفوذ.
وبينما تتمسك كل جبهة بروايتها الخاصة حول الشرعية والقيادة، تتسع الخلافات حول التمويل والأصول ومراكز القرار، لتصبح الجماعة أمام واقع تنظيمي أكثر انقساما وتعددا في مراكز النفوذ، في مشهد يواصل إعادة رسم خريطة التنظيم من الداخل.