أصبحت الحسابات الرسمية للوزارات والهيئات والمؤسسات وسيلة أساسية للوصول المباشر إلى المواطن، فلم تعد المعلومة مضطرة إلى المرور بعدة حلقات قبل وصولها إلى الجمهور، وإنما أصبح من الممكن نشرها بصورة مباشرة وسريعة، مع إتاحة التفاصيل والصور والفيديوهات والبيانات المرتبطة بها، وتكتسب هذه السرعة أهمية خاصة في مواجهة الشائعات، لأن غياب المعلومة يترك مساحة للروايات غير الدقيقة كي تنتشر وتملأ الفراغ.
لكن الصفحة الرسمية وحدها لا تكفي.
فالمواطن يريد أن يعرف ماذا تغير على الأرض، وهل ما يتم الإعلان عنه ينعكس بالفعل على حياته اليومية، وهل تتطابق المعلومات المنشورة مع الواقع الذي يراه بنفسه، وهنا يأتي دور الصحافة.
الصحفي بين الرواية الرسمية وتجربة المواطن
لم يعد دور الصحفي في العصر الرقمي مجرد نقل ما تقوله المؤسسات، وإنما أصبح مطالبًا بالتحقق والمقارنة ووضع المعلومات في سياقها الصحيح، فالصحافة تستطيع أن تبدأ من المعلومة الرسمية، ثم تبحث عن تفاصيلها، وتتحقق من صحتها، وتستمع إلى المواطنين، وتقارن بين ما يتم الإعلان عنه وما يحدث على أرض الواقع، وبذلك يصبح الصحفي حلقة وصل بين ثلاثة أطراف رئيسية: الدولة التي تقدم المعلومات، والمواطن الذي يعيش التجربة، والجمهور الذي يبحث عن الحقيقة، وهذه المعادلة تجعل الإعلام أكثر قدرة على مواجهة التضليل، لأن الرد على معلومة غير دقيقة لا يكون دائمًا ببيان نفي، وإنما قد يكون بتحقيق صحفي، أو معلومة موثقة، أو صورة من الواقع، أو عرض كامل للسياق الذي تم اقتطاعه.
عندما يحاول البعض قلب الصورة
المشكلة تبدأ عندما يتم التعامل مع أي إنجاز باعتباره مادة يجب إسقاطها من الوعي العام، أو عندما يتم استخدام مشكلة محدودة لتقديم صورة شاملة ومغايرة للواقع، فقد تتحول واقعة فردية إلى حكم عام، أو تتحول ملاحظة حقيقية إلى رواية عن فشل كامل، أو يتم تداول محتوى قديم باعتباره حدثًا جديدًا، أو يتم اقتطاع جزء من تصريح أو صورة من سياقها لتقديم معنى مختلف تمامًا.
وهنا يصبح الوعي الإعلامي للمواطن خط الدفاع الأول.
ليس المطلوب أن يصدق المواطن كل ما تنشره الدولة، ولا أن يرفض كل ما تنشره الصفحات المعارضة، وإنما أن يسأل دائمًا: ما المصدر؟ وما السياق؟ ومتى حدثت الواقعة؟ وهل توجد معلومات موثقة يمكن الرجوع إليها؟ وهل المحتوى يعرض الصورة كاملة أم جزءًا منها؟
المواطن شريك في كشف الحقيقة
منحت السوشيال ميديا المواطن دورًا لم يكن متاحًا بهذه القوة من قبل، فالمواطن يستطيع أن يوثق ما يراه، لكنه يستطيع أيضًا أن يطرح سؤالًا أو يقدم شكوى أو يكشف مشكلة. وبذلك لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومات، وإنما أصبح أحد مصادر الصورة التي تتشكل أمام الجمهور، ومن هنا تصبح المسؤولية مشتركة؛ فالدولة مطالبة بسرعة تقديم المعلومات وشرحها بوضوح، والإعلام مطالب بالتحقق وعدم الاكتفاء بالنقل، والمواطن مطالب بالتأكد قبل إعادة النشر، والمنصات الرسمية مطالبة بتقديم محتوى واضح ومفهوم وقابل للتحقق.
الحقيقة أقوى عندما تتعدد مصادرها
في النهاية، لا يمكن مواجهة محاولات التشكيك بمجرد نشر المزيد من البيانات، كما لا يمكن إثبات أي إنجاز بمجرد كثرة المنشورات، الحقيقة تصبح أقوى عندما تلتقي المعلومة الرسمية مع الصورة من أرض الواقع، وتجربة المواطن مع التحقق الصحفي، وهنا تظهر القيمة الحقيقية للسوشيال ميديا؛ فهي لم تعد مجرد منصة يستطيع من خلالها البعض التشكيك في أي إنجاز، وإنما أصبحت أيضًا مساحة يستطيع من خلالها المواطن أن يرى ويوثق ويسأل، والصحفي أن يتحقق، والدولة أن تشرح وتوضح.
وفي المقابل، فإن محاولات جماعة الإخوان أو غيرها من الحسابات المعارضة تحويل الإنجاز إلى مادة دائمة للتشكيك لا يمكن مواجهتها بالشعارات، وإنما بالمعلومة الدقيقة، والصورة الحقيقية، والرد السريع، والصحافة المهنية.
فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج لحمايته، كما أن الشائعة لا تتحول إلى حقيقة لمجرد انتشارها، والذي يحسم في النهاية هو ما يستطيع المواطن أن يراه بنفسه، وما تستطيع الصحافة أن تتحقق منه، وما تثبته الوقائع على أرض الواقع