تظل المدينة المنورة مستودعاً حافلاً بالشواهد والآثار الإسلامية التي تحكي تفاصيل السيرة النبوية الشريفة؛ حيث تتوزع في أرجائها معالم ارتبطت بأحداث ومواقف فارقة في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن بين هذه المواقع البارزة، تحتل بئر غرس التاريخية مكانة روحية واستثنائية في الوجدان الإسلامي، بصفتها إحدى أهم عيون الماء القديمة التي ارتبطت بشرع الله وبوصايا الرسول الخالدة.
تقع البئر في حي العوالي بالمدينة المنورة، على مسافة تقدر بنحو 1500 متر إلى الشرق الشمالي من مسجد قباء التاريخي، وسط منطقة عُرفت قديماً بكثرة بساتينها ونخيلها.
جذور أثرية وارتباط بالعهد النبوي
تعود الجذور الأولى لحفر البئر إلى العصر الجاهلي؛ إذ يُنسب حفرها إلى مالك بن النحاط من بني مجدعة من الخزرج، وظلت مورداً رئيسياً للمياه العذبة التي يعتمد عليها أهل المنطقة.
ولم تكن بئر غرس مجرد عين ماء عادية، بل اكتسبت قدسيتها ومكانتها الخاصة من الارتباط الوثيق بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد ورد في الأثر أنه كان يستطيب ماءها العذب، ويرد إليها ليشرب منها ويتوضأ.
كما جاء في المأثورات النبوية أنه صلى الله عليه وسلم بارك فيها ودعا لماء بالزيادة والبركة، ووصفها في بعض الروايات بأنها عين من عيون الجنة.
وصية خالدة وتغسيل جثمان النبي
امتدت هذه المكانة لتتجسد في وصية نبوية شريفة رواها الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ حيث أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يُغسَّل عقب وفاته بسبع قِرَب من ماء بئر غرس لم تُحلل أربيتها، وهو ما نفذه الصحابة الكرام أثناء إعداد جثمانه الشريف للدفن.
جولة اليوم السابع.. تطوير معماري يراعي الهوية
في جولة ميدانية واستكشافية لجريدة اليوم السابع داخل الموقع، رصدت حجم الاهتمام والتأهيل الشامل الذي شهده المكان ضمن برنامج إحياء المواقع التاريخية بالمدينة المنورة.
وظهرت البئر في حلتها الجديدة التي تجمع بين التصميم العصير والحفاظ على الطابع الأثري؛ إذ حُصّنت بجدران حجرية مُستوحاة من العمران المدني القديم، مع إحاطتها بسواتر وألواح حامية تتيح للزوار رؤية التجويف الداخلي للبئر بأمان ووضوح.
كما تم تطوير الساحات المحيطة بالبئر وتزويدها بالممرات الفسيحة، والمقاعد المخصصة للاستراحة، والإضاءات الليلية الهادئة، مما أضفى على المكان مهابة وجمالاً يمتزجان بأريج النخيل المحيط بها.
توافد المعتمرين وتوثيق اللحظات الروحانية
يشهد الموقع تدفقاً يومياً كبيراً من الحجاج والمعتمرين والزوار من مختلف دول العالم؛ حيث حرص الكثيرون على التفاف حول البئر، وقراءة اللوحات التعريفية والمجسمات الإرشادية المتاحة بلغات متعددة للتعرف على تاريخها وآثارها النبوية.
ورصدت الجولة حرص الزوار على التقاط الصور التذكارية وتوثيق زيارتهم لهذا المعلم الإيماني، وسط أجواء تغمرها السكينة والطمأنينة، ليظل بئر غرس شاهداً حياً ينقل للجيل الجديد ولزوار المسجد النبوي عبق السيرة العطرة.