من الإسكندرية إلى ألمانيا ثم الولايات المتحدة.. رحلة عالم مصرى يسعى لتحويل النانو المغناطيسى من فكرة بحثية إلى تقنية تستهدف الأورام
لم تعد الفيزياء بالنسبة للدكتور أحمد أحمد الجندى مجرد معادلات وقوانين تفسر حركة المادة، وإنما أصبحت أداة يحاول من خلالها الوصول إلى طريقة جديدة لاستهداف الخلايا السرطانية. العالم المصرى، أستاذ الفيزياء المشارك بجامعة تكساس فى إل باسو الأمريكية، يواصل منذ سنوات أبحاثه فى المواد النانوية المغناطيسية، بحثًا عن آلية يمكن التحكم فيها من خارج الجسم باستخدام المجال المغناطيسى.
وفى حوار خاص لـ«اليوم السابع»، روى الجندى تفاصيل رحلته العلمية التى بدأت من الإسكندرية، ثم انتقل بعدها إلى ألمانيا للدراسة فى جامعة هايدلبرج، قبل أن يواصل مسيرته البحثية فى الولايات المتحدة. وتوضح صفحته الرسمية بجامعة تكساس أن تخصصه يشمل علم المواد النانوية المغناطيسية، وتطبيقاتها فى التصوير بالرنين المغناطيسى والعلاج الحرارى للسرطان والطب.
ما هو النانو المغناطيسى؟
يشرح الجندى أن «النانو مغناطيس» هو مادة مغناطيسية مثل الحديد، لكن بحجم بالغ الصغر يتراوح بين 1 و100 نانومتر، أى من 1 إلى 100 من المليار من المتر. وهذه الجسيمات الصغيرة تستطيع الاستجابة للمجال المغناطيسى، وهو ما فتح أمام الباحثين إمكانية استخدامها فى تطبيقات طبية.
بدأت الفكرة من العلاج الحرارى المغناطيسى، حيث تدخل الجسيمات النانوية إلى منطقة الورم، ثم يتعرض المريض لمجال مغناطيسى متغير، فتتحرك الجسيمات وتولد حرارة يمكن أن تساعد فى إتلاف الخلايا السرطانية.
لكن رحلة البحث لم تتوقف عند الحرارة.
عندما بدأ السؤال: ماذا لو انخفض الورم دون حرارة؟
يقول الجندى إن فريقه لاحظ خلال التجارب أن الأورام يمكن أن تتراجع مع وجود الجسيمات والمجال المغناطيسى، رغم عدم وجود ارتفاع كبير قابل للكشف فى درجة حرارة كتلة الورم.
وهنا ظهر السؤال الذى دفع الفريق إلى مسار بحثى جديد: إذا لم تكن الحرارة هى العامل الرئيسى، فكيف تتأثر الخلايا السرطانية؟
بدأ الباحثون فى دراسة ما يعرف بالتأثير المغناطيسى-الميكانيكى Magneto-Mechanical، حيث يمكن للمجال المغناطيسى أن يولد حركة ودورانًا وعزمًا ميكانيكيًا للجسيمات النانوية، بما قد يؤدى إلى تأثيرات ميكانيكية على الخلية السرطانية.
ويؤكد الجندى أن هذه الآلية ما زالت موضع دراسة لفهم تفاصيلها بصورة كاملة، ولا ينبغى التعامل معها باعتبارها علاجًا مثبتًا للمرضى.
ماذا أثبتت التجارب؟
فى دراسة منشورة فى دورية Acta Biomaterialia فى أغسطس 2026، شارك الجندى وفريق بحثى فى اختبار جسيمات نانوية فائقة البارامغناطيسية من الحديد والكربون تحت تأثير مجال مغناطيسى متناوب، باستخدام نموذجين حيوانيين لسرطان الثدى والبروستاتا.
وأظهرت الدراسة تراجعًا ملحوظًا فى الأورام، مع عدم وجود تسخين كتلى قابل للكشف، وخلص الباحثون إلى أن النتائج تقدم دليلًا على مفهوم علاجى يعتمد على الديناميكيات المغناطيسية على المستوى النانوى بدلًا من التسخين الكتلى.
من الفئران إلى الإنسان.. الطريق لم ينته
ويؤكد الجندى أن الوصول إلى المرضى ما زال يحتاج إلى مراحل بحثية متقدمة، تشمل اختبار التقنية على أنواع مختلفة من الخلايا السرطانية، وأعداد أكبر من الحيوانات، وفهم آلية التأثير بدقة، ودراسة السلامة والآثار الجانبية، ثم استكمال المتطلبات التنظيمية قبل الانتقال إلى التجارب السريرية.
ولا يستطيع الباحثون حاليًا تحديد موعد محدد لوصول التقنية إلى المرضى، لأن ذلك يتوقف على نتائج الدراسات المقبلة والتمويل والموافقات التنظيمية ونجاح مراحل التجارب السريرية.
20 عامًا من البحث.. وسعادة بتكريم المصريين
يقول الجندى إن العمل فى هذا المجال يمتد لنحو 20 عامًا، بينما بدأت الأبحاث على الحيوانات منذ نحو 4 سنوات، أما التقنية الجديدة محل الدراسة فبدأ اكتشافها قبل نحو عامين.
وعن تفاعل المصريين مع أبحاثه وتكريمه، أعرب الجندى عن سعادته وفخره بهذا الاهتمام، مؤكدًا أنه يتمنى أن يكون عند حسن ظن المصريين وأن يواصل تطوير التقنية حتى تصل، إذا أثبتت أمانها وفعاليتها، إلى مراحل التطبيق المباشر.
ويؤكد الجندى أن الدافع وراء توظيف الفيزياء فى أبحاث السرطان هو رغبته فى أن يكون العلم الذى يدرسه ويطوره فى خدمة الناس والمجتمعات، وأن تتحول المعرفة الأساسية إلى تطبيقات يمكن أن تفيد المرضى.