"هرمز شريان تحت الاختبار..هل يمكن الاستغناء عنه؟" 2.. المضيق يكشف حدود قوة أوروبا وأمريكا.. مخزونات مؤقتة وبدائل محدودة ومشروعات تحتاج سنوات.. وترامب يراهن على الضغط ويعد بتحويله أرضا تابعة للولايات المتحدة

الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 01:00 م
"هرمز شريان تحت الاختبار..هل يمكن الاستغناء عنه؟" 2.. المضيق يكشف حدود قوة أوروبا وأمريكا.. مخزونات مؤقتة وبدائل محدودة ومشروعات تحتاج سنوات.. وترامب يراهن على الضغط ويعد بتحويله أرضا تابعة للولايات المتحدة مضيق هرمز

تحقيق / أحمد عرفة

 

  • أوروبا خفضت اعتمادها على النفط الروسي من 25.8% إلى 2.2% وتراهن على أمريكا والنرويج وكازاخستان

  • من مليون إلى مليوني برميل يوميا فقط.. حدود قدرة الإنتاج الأمريكي أمام صدمة هرمز

  • مسئول سابق بالدفاع الأمريكي: الأسواق ستعيد توجيه النفط.. وواشنطن ليست مطالبة بإيجاد بديل لكل برميل يمر عبر هرمز

  • 38 % من مزيج الطاقة الأوروبي من النفط.. تنويع الموردين يخفف صدمة المضيق ولا يلغيها

  • مسئول بريطاني سابق يحذر أوروبا من وهم الحل السريع : البدائل تحتاج سنوات واستثمارات ضخمة

  • 5 بنود بريطانية لإعادة فتح هرمز.. لندن تراهن على الدبلوماسية وخفض التصعيد بدلا من بديل فوري

  • خبير الدولي في الطاقة المتجددة: الطاقة الشمسية قد تكون مخرجا طويل الأمد و"خميسة" يقلل الاعتماد على النفط

 

تواجه أوروبا تداعيات إغلاق مضيق هرمز من زاوية مختلفة نسبيا عن آسيا، فالجزء الأكبر من النفط الذي يعبر المضيق يتجه إلى الأسواق الآسيوية، بينما تذهب إلى القارة العجوز نسبة محدودة من الخام العابر له، فيما تقدر وكالة الطاقة الدولية أن نحو 4% فقط من تدفقات الخام التي تمر عبر هرمز كانت متجهة إلى الدول الأوروبية في 2025، إلا أن تأثير الإغلاق يظل عالميا بسبب ارتفاع أسعار النفط واضطراب حركة التجارة.

 

أوروبا ومضيق هرمز

وتتحرك دول القارة العجوز في عدة مسارات بالتوازي، يأتي في مقدمتها الاستفادة من المخزونات النفطية الاستراتيجية لامتصاص أي نقص مؤقت في الإمدادات، حيث يلزم التشريع الأوروبي الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزونات طوارئ من النفط الخام والمنتجات البترولية تعادل على الأقل 90 يوما من صافي الواردات أو 61 يوما من الاستهلاك، أيهما أعلى.

 

كما تعمل أوروبا على تنويع مصادر استيراد النفط بدلا من الاعتماد على منطقة واحدة، مستفيدة من الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة والنرويج وكازاخستان وغيرها، فيما توضح المفوضية الأوروبية أن تراجع الاعتماد على النفط الروسي خلال السنوات الماضية جرى تعويضه بدرجة كبيرة بزيادة الواردات من واشنطن وأوسلو، وهو ما يمنح السوق الأوروبية هامشا أكبر للمناورة في مواجهة اضطرابات الإمدادات.

 

وفي الوقت نفسه، تسعى القارة العجوز إلى تقليل الطلب على النفط والوقود عبر تسريع التحول إلى السيارات الكهربائية، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، ويأتي ذلك ضمن استراتيجية أوسع للاتحاد الأوروبي تهدف إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بحيث لا يكون أمن الطاقة الأوروبي مرتبطا بشكل كبير بأحد الممرات البحرية الحيوية.

 

وتظل السوق العالمية للنفط هي خط الدفاع الأول للقارة العجوز، فحتى إذا تمكنت الدول الأوروبية من تأمين احتياجاتها الفعلية من خلال المخزونات والموردين البدلاء، فإن ارتفاع الأسعار سيظل يمثل تحديا لاقتصاد هذه القارة، فيما وتؤكد المفوضية الأوروبية أن نظام الطاقة بها أظهر قدرة على الصمود بفضل تنويع إمدادات النفط والغاز، والمخزونات الاستراتيجية، وزيادة قدرات استيراد الغاز الطبيعي المسال، لكن ارتفاع الأسعار العالمية يظل مصدر قلق.

 

وبالتالي، فإن استراتيجية أوروبا لا تقوم على إيجاد "مضيق بديل" لهرمز بشكل مباشر، وإنما على مزيج من المخزونات الاستراتيجية، وتنويع الموردين، واستخدام طرق نقل بديلة، وتقليل الطلب على الوقود تدريجيا، وهذه الإجراءات يمكن أن تحد من نقص الإمدادات داخل القارة العجوز، لكنها لا تمنع بالكامل تأثير أي إغلاق طويل على السعر العالمي للنفط، لأن هرمز يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات النفطية، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا.

 

وأعلنت بريطانيا في 1 أبريل الماضي استضافتها اجتماعا للدول الموقعة على إعلان نوايا لاستكشاف كل السبل الدبلوماسية لفتح مضيق هرمز، حيث أعلنت حكومة كير ستارمر حينها، أن هناك خطة من 5 بنود للخروج من أزمة الإغلاق ومراقبة الأوضاع من كثب يوميا، بجانب الاستمرار في الدفع نحو خفض التصعيد في الشرق الأوسط.

 

وأشارت الحكومة البريطانية، إلى أن السبيل الأمثل هو الضغط من أجل خفض التصعيد في الشرق الأوسط وإعادة فتح مضيق هرمز، وتعزيز عمل شركات النفط والغاز وإحلال الطاقة النظيفة، متابعة :"مع استمرار الأزمة الحالية فإن مصلحتنا على المدى البعيد تتطلب تعزيز شراكاتنا مع دول أوروبا".

 

في ذات اليوم، أعلنت ساناي تاكايتشي، رئيسة وزراء اليابان، اتفاق بلادها مع باريس على العمل بشكل وثيق لفتح مضيق هرمز، فيما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "متفقون مع طوكيو بشأن أهمية استعادة حرية الملاحة"، فيما ذكر الإعلام العبري، أن تحالف يضم دولا من أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، يستعدون لممارسة ضغوط دبلوماسية على إيران لفتح المضيق.

 

مع استمرار المخاوف من تداعيات إغلاق المضيق على أسواق الطاقة العالمية، تواجه أوروبا اختبارا جديدا لقدرتها على تأمين احتياجاتها من النفط والغاز بعيدا عن أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم.

طرق تعامل أوروبا مع غلق مضيق هرمز
طرق تعامل أوروبا مع غلق مضيق هرمز

ويشير نيكولاس ويليامز، المسؤول السابق في وزارة الدفاع البريطانية والمسؤول السابق في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، إلى أن القارة العجوز أصبحت أكثر حساسية تجاه اضطرابات إمدادات الطاقة بعد أن قلصت اعتمادها على الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب عقب عام 2022.

 

ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن فك الارتباط بإمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب دفع أوروبا إلى الاعتماد بصورة أكبر على واردات الطاقة المنقولة بحرا، وهو ما جعل اضطرابات الملاحة في الممرات البحرية الرئيسية أكثر قدرة على التأثير في الأسواق الأوروبية.

 

وبحسب ويليامز، فإن أي اختناق في مسارات الشحن الإقليمية يمكن أن يتحول سريعا إلى صدمة في أسعار الطاقة داخل الأسواق الأوروبية، لأن القارة لم تعد تمتلك الحجم نفسه من الإمدادات البرية الثابتة التي كانت توفرها خطوط الأنابيب الروسية قبل عام 2022.

 

ورغم امتلاك الدول الأوروبية قدرة على تغيير بعض مصادر الطاقة وتنويع الموردين، فإن المشكلة الأساسية تكمن في عدم وجود بديل بحري فوري وسهل التنفيذ يمكنه أن يحل محل مضيق هرمز بالكامل إذا استمر إغلاقه لفترة طويلة.

 

ويضيف المسؤول السابق في وزارة الدفاع البريطانية، أن أوروبا تستطيع التحرك بين عدد من الموردين والأسواق، لكن هذه المرونة لا تعني قدرتها على تعويض جميع التدفقات التي تتأثر بإغلاق المضيق، خاصة أن الأزمة لا تتعلق فقط بمصدر النفط أو الغاز، وإنما أيضا بالقدرة الاستيعابية للموانئ وناقلات الطاقة ومسارات الشحن وتكاليف التأمين.

 

ويعني ذلك أن أوروبا قد تتمكن من الحصول على جزء من احتياجاتها من مصادر بديلة، لكن الوصول إلى هذه الإمدادات قد يكون أكثر تكلفة، كما أن زيادة الطلب الأوروبي على مصادر أخرى يمكن أن ترفع الأسعار في الأسواق العالمية.

 

بدائل موجودة لكنها تحتاج إلى وقت

ولا يعني غياب البديل الفوري أن أوروبا لا تملك خيارات على المدى المتوسط والبعيد، فهناك مشروعات وخطط تهدف إلى إعادة رسم مسارات نقل الطاقة والبضائع بعيدا عن نقاط الاختناق البحرية، بما يمنح القارة العجوز خيارات أكبر في مواجهة الأزمات الجيوسياسية.

 

ويرى ويليامز أن هذه البدائل تنطوي على تكاليف مرتفعة، كما أن تنفيذها يحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة، وبالتالي لا يمكن التعامل معها باعتبارها حلولا جاهزة لأزمة مفاجئة في مضيق هرمز.

 

ومن بين المشروعات التي تحظى باهتمام أوروبي ودولي الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا "IMEC"، وهو مشروع مقترح متعدد الوسائط يجمع بين النقل البحري والسكك الحديدية، ويهدف إلى إنشاء مسار تجاري بديل يربط الهند بالقارة العجوز مرورا بالشرق الأوسط.

 

ويأتي المشروع في إطار مساعي الدول المشاركة إلى تنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على بعض المسارات البحرية التقليدية التي يمكن أن تتعرض للاضطراب نتيجة الأزمات السياسية والأمنية.

 

ويشير ويليامز إلى أن تطوير شبكات السكك الحديدية في دول الخليج يمكن أن يوفر، مستقبلا، خيارات إضافية لنقل البضائع وتجاوز بعض المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية، إلا أن هذه المشاريع لا تزال بحاجة إلى تطوير البنية التحتية والاستثمارات والتنسيق بين عدد من الدول.

 

وتبدو المشكلة الأوروبية أكثر تعقيداً بسبب طبيعة سوق الطاقة في القارة، فبعد أزمة الغاز الروسي، اضطرت الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر الإمدادات، وزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال القادم عبر البحر من أسواق مختلفة، إلى جانب تعزيز واردات الطاقة من مناطق أخرى، هذا التنويع منح أوروبا قدرة أكبر على مواجهة فقدان مصدر واحد للإمدادات، لكنه في الوقت نفسه جعلها أكثر ارتباطا باستقرار حركة التجارة البحرية العالمية.

 

ويقول ويليامز إن قدرة أوروبا على التعامل مع الأزمة ستعتمد بدرجة كبيرة على مدة الإغلاق وحجم الانخفاض في الإمدادات، بالإضافة إلى قدرة الأسواق على إعادة توجيه الشحنات القادمة من مناطق أخرى، فإذا كان الاضطراب قصير الأمد، يمكن للأسواق الأوروبية استخدام المخزونات وتنويع الموردين وزيادة المشتريات من الأسواق البديلة لتخفيف الصدمة، أما إذا كان طويلا فإن الضغط سيصبح أكبر، لأن البدائل الحالية لا تمتلك القدرة على تعويض جميع التدفقات المتضررة بسرعة.

 

ويحذر ويليامز من أن تداعيات إغلاق مضيق هرمز لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أزمة أوروبية فقط، فالمضيق يمثل نقطة عبور استراتيجية لإمدادات الطاقة المتجهة إلى أسواق متعددة حول العالم، وبالتالي، فإن القارة العجوز ستنافس مستوردين آخرين على الإمدادات البديلة في حال حدوث اضطراب طويل، وهو ما قد يرفع تكلفة الحصول على الطاقة ويزيد حدة المنافسة بين الأسواق.

 

وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال فقط: هل تستطيع أوروبا العثور على النفط والغاز؟ بل سيكون أيضا بأي سعر، ومن أي مسار، وفي أي وقت يمكن أن تصل هذه الإمدادات؟ وهذه المعادلة هي التي تجعل أي إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز تحديا استراتيجيا يتجاوز مسألة نقص الإمدادات المباشرة.

 

ويوضح المسئول البريطاني السابق، أن أوروبا أمام ضرورة مزدوجة وهي التعامل مع أي اضطراب حالي من خلال الأدوات المتاحة، وفي الوقت نفسه الاستثمار في بدائل مستقبلية تقلل تعرضها لنقاط الاختناق الجيوسياسية.

 

وبحسب ويليامز، فإن التطورات الحالية تعني أن إيران، بحكم موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في حركة الملاحة داخل مضيق هرمز، تظل عاملا رئيسيا في أمن إمدادات الطاقة المتجهة إلى أوروبا والشرق الأقصى، ولا يعني ذلك أن طهران تتحكم وحدها في جميع إمدادات الطاقة العالمية، وإنما أن موقعها على أحد أهم الممرات البحرية يجعل أي اضطراب مرتبط بالمضيق قادرا على التأثير في تدفقات الطاقة والأسعار العالمية.

 

واشنطن وهرمز

"هل تستطيع الولايات المتحدة تعويض النقص؟" الإجابة، وفق الصورة التي رسمها فاتح بيرول، هي جزئيا فقط، فواشنطن زادت إنتاجها النفطي، وهو ما ساعد في تخفيف الصدمة، لكن مدير الوكالة الدولية للطاقة أوضح أن زيادة الإنتاج الأمريكية لا تستطيع تعويض الخلل بالكامل، حيث يمكنها زيادة الإنتاج بمقدار مليون أو مليوني برميل يوميا، لكنها لا تستطيع ببساطة إضافة 10 ملايين برميل يوميا لتعويض اضطراب واسع النطاق، وهذا يوضح الفرق بين زيادة الإنتاج واستعادة تدفقات هرمز، فحتى لو زاد إنتاج بعض الدول، فإن المشكلة تظل مرتبطة بالبنية اللوجستية لنقل النفط والغاز إلى المستهلكين.

خسائر أمريكا خلال الحرب
خسائر أمريكا خلال الحرب

خلال خطاب له في 15 أغسطس، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أنه سيعلن قريبا مضيق هرمز أرضا تابعة للولايات المتحدة، قائلا:" سنضرب إيران اقتصاديا بقوة، والحصار البحري متواصل ولن تعبر أي سفن إلا إذا سمحنا لها بذلك، وعندما يدفع الأمريكيون مبلغا إضافيا مقابل الوقود فهو حتى لا تمتلك دولة شريرة للغاية سلاحا نوويا".

 

وأضاف أن الحصار البحري ضد إيران عبارة عن جدار من الفولاذ، وجميع دول المنطقة تعيش حالة من الحصار لأن طهران تعرف بكونها المتنمر في الشرق الأوسط.

خسائر إيران خلال الحرب
خسائر إيران خلال الحرب

الأسواق ستتكفل بإيجاد البدائل

في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، تبرز تساؤلات حول الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة للتعامل مع تداعيات هذا الأمر، وما إذا كانت واشنطن بحاجة إلى إيجاد مسارات بديلة لضمان استمرار تدفق إمدادات الطاقة، حيث يوضح مايكل روبين، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، أن واشنطن لن تكون بالضرورة الطرف الذي يتعين عليه إيجاد بديل مباشر للمضيق ، موضحا أن أسواق النفط نفسها ستتولى إعادة ترتيب مسارات الإمدادات وفقا للظروف الجديدة.

 

ويشير روبين، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إلى أن أسواق النفط تتميز بقابلية التبادل، بمعنى أن تغير الأسعار في منطقة أو سوق معينة ينعكس على الأسواق الأخرى، وهو ما يسمح للمنتجين والمشترين بإعادة توجيه الإمدادات عبر مسارات بديلة عندما تفرض الظروف ذلك.

مقارنة بين القوات البحرية الأمريكية والإيرانية
مقارنة بين القوات البحرية الأمريكية والإيرانية

 

وبحسب روبين، فإن بعض الأصوات التي ترغب في إنهاء الحرب قد تدفع باتجاه تحميل بكين مسؤولية حماية حرية الملاحة في الخليج، باعتبار أن جزءا كبيرا من نفط الخليج يتجه إلى الأسواق الصينية، إلا أنه يرى أن هذا الطرح لا يأخذ في الاعتبار طبيعة حركة التجارة البحرية والقواعد التي تحكم المرور عبر الممرات الاستراتيجية.

 

وفي هذا السياق، يشير يوضح أن بعض الدول التي تطل على ممرات مائية استراتيجية ضيقة، أو ما يعرف بنقاط الاختناق البحرية، تفرض رسوما على السفن التي تعبر تلك الممرات، إلا أن هذه الرسوم عادة ما تكون مرتبطة بخدمات محددة تقدمها الدول، مثل صيانة العوامات والمنارات وتوفير خدمات الإرشاد البحري وغيرها من الخدمات المرتبطة بسلامة الملاحة.

 

ويرى روبين أن الرسوم التي تقترحها إيران تختلف بصورة كبيرة عن هذا النموذج، مشيرا إلى أنها تصل إلى نحو 90 ضعف الرسوم التي تتقاضاها تركيا عن كل سفينة.

 

ويضيف أن إطلاق وصف "رسوم بيئية" على تلك المبالغ لا يغير من طبيعتها، منتقدا في الوقت نفسه الجهة التي ستتولى تحصيلها، وهي إيران، قائلا إن الحرس الثوري ليس معروفا بمشروعات التشجير وإعادة التحريج التي يمكن أن تبرر مثل هذه التسمية.

 

الأسواق تبحث عن البدائل

ويقول روبين، إن التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز لن تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة مطالبة بإيجاد ممر بديل لكل شحنة نفط تمر عبر المضيق، مؤكدا أن آليات السوق ستدفع المنتجين والمشترين إلى البحث عن حلول ومسارات أخرى.

 

ويشير في هذا الإطار إلى المملكة العربية السعودية، التي بدأت، في إعادة توجيه إمداداتها النفطية نحو ينبع، بما يعكس قدرة بعض المنتجين على استخدام مسارات بديلة للوصول إلى الأسواق العالمية بعيدا عن مضيق هرمز.

 

ويقول إن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إيجاد بديل لمضيق هرمز، وإنما بمدى قدرة أسواق الطاقة والدول المنتجة والمستهلكة على إعادة ترتيب خريطة تدفقات النفط في مواجهة أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة.

 

وفي الوقت الذي تظل فيه حرية الملاحة عبر المضيق قضية استراتيجية بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، فإن استمرار الإغلاق أو فرض قيود إضافية على حركة السفن قد يدفع إلى إعادة تشكيل طرق نقل النفط، بحيث تصبح بعض الموانئ وخطوط الأنابيب والمسارات البرية أكثر أهمية، بينما تواجه الدول التي لا تملك بدائل جغرافية مباشرة ضغوطا أكبر.

القدرات العسكرية الأمريكية
القدرات العسكرية الأمريكية

 

مشروع "خميسة" بديلا لضمان استقرار سوق الطاقة

في ظل تداعيات إغلاق المضيق، يطرح الدكتور هاني النقراشي، الخبير الدولي في مجال الطاقة المتجددة، تصورا يعتمد على التوسع في الطاقة الشمسية الحرارية، من خلال مخطط "خميسة"، بهدف توفير مصدر مستدام للكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

 

ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن نحو 20% من النفط والغاز يتم نقله عبر مضيق هرمز، مشيرا إلى أن نقص هذه الكميات في الأسواق العالمية يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما يستدعي البحث عن بدائل قادرة على تأمين احتياجات الطاقة بعيدا عن تقلبات إمدادات الوقود.

 

ويضيف أن الحل في مخطط خميسة الذي يعتمد على مجموعات، تضم كل مجموعة خمس محطات شمسية حرارية، تستخدم مرايا مسطحة لالتقاط الإشعاع الشمسي وتركيز أشعة الشمس على بؤرة حرارية، لافتا إلى أن تركيز مكونات الشعاع الشمسي، المتمثلة في الضوء والحرارة، يؤدي إلى رفع درجة حرارة البؤرة إلى نحو 550 درجة مئوية، وهي درجة حرارة مماثلة لتلك المستخدمة في عمليات إنتاج البخار اللازمة لتشغيل التوربينات في المحطات التقليدية التي تعتمد على الفحم أو المازوت.

 

تخزين الحرارة بدلا من الكهرباء

ويشير النقراشي إلى أن إحدى أهم مزايا منظومة "خميسة" تتمثل في تخزين الحرارة، حيث يتم تخزين جزء من الطاقة الحرارية داخل خزان معزول لاستخدامها خلال ساعات الليل، بما يسمح باستمرار تشغيل التوربينة البخارية وعدم اقتصار إنتاج الكهرباء على ساعات سطوع الشمس.

 

وبحسب تصوره، يمكن للمحطة أن تعمل نهارا وليلا بصورة مشابهة للمحطات التقليدية، وهو ما يتيح لها تلبية احتياجات الشبكة بصورة مستقرة، كما يجعل الكهرباء المنتجة قابلة للتصدير وفقا للمواصفات المطلوبة، لافتا إلى أنه خلال الأيام التي تحجب فيها السحب أشعة الشمس لعدة أيام، يمكن اللجوء إلى حرق النفايات الزراعية لتوفير الحرارة اللازمة لاستمرار التشغيل.

مخطط خميسة لمواجهة غلق مضيق هرمز وتأثيره على سوق الطاقة
مخطط خميسة لمواجهة غلق مضيق هرمز وتأثيره على سوق الطاقة

 

ويقول الخبير الدولي في مجال الطاقة المتجددة إن محطة تقليدية بقدرة 250 ميجاوات يمكن، استبدالها بخمس محطات شمسية حرارية نمطية، تبلغ قدرة كل منها 50 ميجاوات، بما يوفر القدرة الإنتاجية نفسها مع الاستغناء عن الوقود التقليدي المستخدم في المحطة.

 

ويضيف، أن الوفر المحقق من الوقود خلال عام يمكن استخدامه في تمويل إنشاء محطة جديدة، بحيث يتم وضع الوفر في ما وصفه بـ "حصالة خميسة"، بهدف إعادة استثماره في التوسع المستمر في إنشاء المحطات، مقترحا أن تكون كل مجموعة خماسية مدعومة بمحطة كهرباء غازية للطوارئ بقدرة 50 ميجاوات، تعمل باستخدام غاز الميثان الناتج عن المخلفات الزراعية أو الطحالب.

 

تمويل ذاتي وتسارع في إنشاء المحطات

وفيما يتعلق بالتمويل، يوضح النقراشي أن المجموعة الخمسية الأولى تحتاج إلى نحو مليار دولار، ويمكن تمويلها من خلال قرض بشروط ميسرة باعتبارها مشروعا أخضر، على أن يتم تمويل المجموعات التالية من الوفر الذي يتحقق نتيجة انخفاض الإنفاق على شراء الغاز والنفط.

 

ويشير إلى أن الفكرة تقوم على أن المجموعة الأولى تمول نفسها بصورة غير مباشرة عبر الوفر المحقق من الوقود، ثم يعاد استثمار هذا الوفر في إنشاء مجموعات جديدة، بما يؤدي إلى تسارع وتيرة التوسع كلما دخلت مجموعات إضافية إلى الخدمة، لافتا إلى أن تطبيق هذا التصور يمكن أن يساهم في تحويل الشبكة المصرية إلى نظام يعتمد بالكامل على مصادر الطاقة المتجددة خلال نحو 20 عاما، مع تحقيق وفر في تكاليف إنشاء الشبكات الجديدة، نظرا إلى الاعتماد على الشبكة المحلية.

 

وحول تسمية "خميسة" كمخطط وليس مشروعاً، يقول إن المشروع له بداية ونهاية، بينما المخطط يبدأ باحتضان مجموعة من المشروعات وتظل نهاياته مفتوحة، مضيفا أنه في حال فتح باب تصدير الكهرباء، يمكن زيادة عدد المحطات التي يتم إنشاؤها سنويا، إلى جانب إمكانية تصدير الخبرة المصرية في هذا المجال مقابل تراخيص، بما يوفر مصدرا إضافيا للموارد المالية.

 

ويؤكد أن كل محطة يتم إنشاؤها ستشهد، زيادة في المكون المحلي، بالتزامن مع انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء، وهو ما يتيح بناء منظومة تتوسع تدريجيا اعتمادا على الوفر المتحقق من المحطات السابقة، مشيرا إلى أن اختياره التخزين الحراري داخل موقع المحطة سببه أن نقل الحرارة مكلف، بينما تخزينها أسهل نسبيا، في حين أن الكهرباء يمكن نقلها عبر الشبكات.

 

ويوضح أن الاعتماد على بطاريات تخزين الكهرباء يواجه تحديات تتعلق بعمرها الافتراضي، بجانب محدودية تصنيعها محليا في مصر خلال المستقبل القريب والمتوسط، مقترحا تقسيم منظومة التوليد إلى مجموعات وشبكات فرعية منفصلة، خاصة أن هذا التصميم يمكن أن يعزز مرونة الشبكة في مواجهة الأعطال والمخاطر السيبرانية.

 

ويرى الخبير الدولي أن التوسع في مثل هذه المشروعات يمكن أن يمثل أحد المسارات لتقليل تعرض الدول لتقلبات أسواق النفط والغاز وأزمات إمدادات الطاقة، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها مضيق هرمز بالنسبة لحركة تجارة الطاقة العالمية.

 

يمكن تجاوز هرمز جزئيا لا استبداله بالكامل

السؤال الأدق ليس لم يعد هل يوجد بديل لمضيق هرمز؟ وإنما هل توجد شبكة بدائل قادرة على تعويضه بالكامل؟ فالإجابة في الوقت الراهن هي لا، حيث توجد أنابيب وموانئ ومسارات بحرية يمكن أن تمتص جزءا من الصدمة، لكن لا يوجد مسار منفرد أو مجموعة من المسارات الجاهزة تستطيع نقل الكميات التي تمر عبر المضيق بصورة كاملة وسريعة.

 

بالتالي، فإن أكبر بديل حقيقي لهرمز على المدى الطويل ليس طريقا واحدا، وإنما تنويع شبكة الطاقة العالمية عبر زيادة خطوط الأنابيب، وتوسيع الموانئ البديلة، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتنويع مصادر النفط والغاز، أما في المدى القصير، فسيظل المضيق نقطة اختناق لا يمكن تعويضها بالكامل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة