تنبض المسارح أحياناً بأرواح تتجاوز حدود الخشبة لتلامس شغاف القلوب، وحين تتقاطع الموهبة الاستثنائية مع صدق الأداء، يصبح التكريم ليس مجرد جائزة عابرة، بل اعترافاً واجباً بميلاد حالة فنية فريدة؛ وهو تماماً ما تجسد في ليلة افتتح بها مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي دورته الثالثة والثلاثين.
فحضرت أمس حفل افتتاح المهرجان؛ وكالعادة، أعجبت بالتنظيم والعرض الافتتاحي المبهر، وتضافر جهود القائمين على المهرجان لخروج اليوم بالشكل الذي يليق بمكانة مصر وسط مشاركة دولية واسعة. غير أن ما أثار إعجابي حقاً هو اختيار المكرمين هذا العام؛ إذ حرصت اللجنة العليا على انتقاء من يستحق التكريم عن جدارة من أهل الفن والمسرح في شتى المجالات من إخراج وكتابة وديكور وتمثيل.
جاءت هذه التكريمات لتؤكد أن المهرجان ينبض بروح شابة، فهو لا يقتصر على فئة دون غيرها، ولا يحصر تقديره في مرحلة عمرية دون أخرى؛ بل جاء الاختيار محكوماً بالموهبة وقوتها وتأثيرها. فاعتدنا أن تُقتصر التكريمات غالباً على أصحاب السير الفنية الطويلة وعمالقة الفن تقديراً لمجمل أعمالهم، لكن جاء تكريم "عملاق الفن القادم"، كما أطلق عليه دائماً، حمزة العيلي في شكل مغاير لطبيعة التكريمات التقليدية. فقد أعلته موهبته الفذة لنيل هذا التكريم من مهرجان دولي عن استحقاق تام، متجاوزاً مقاييس العمر وقصر المشوار الفني،
فتاريخه لم يُقس بعدد السنين، بل بمدى التأثير، وعمق الموهبة، والقدرة الفائقة على التشكيل والتغير، وكأن عمره الفني يمتد لمئة عام.
من بين فناني جيله، ظهر العيلي بقوة ليفرض نفسه على الشاشة بملامحه المصرية الأصيلة وأبعاده الشكلية التي تشبه كل مصري، مقدماً أداءً فنياً رفيعاً منذ أوائل أدواره. فمنذ اللحظة التي شاهدتُ فيها شخصية "مسكر" في مسلسل (ابن حلال)، أيقنت أننا أمام عملاق قادم بقوة؛ تلك الشخصية البسيطة والمركبة التي ذكرتني بشخصية الإمبراطور أحمد زكي في فيلم (الباطنية)، لا سيما في مستهلها حين أدى دور "سفروت" مقنعاً إيانا بأنه شاب مشرد متأخر عقلياً، قبل أن يُكشف عن هويته كضابط في نهاية الفيلم. هذا التشابه في طبيعة الدور بين "مسكر" و"سفروت" وقوة الأداء بلا مبالغة، جعل الجمهور حينها يعتقد أن "مسكر" ضابط متخفٍ، وإن دل هذا الانتظار لذلك التحول واستحضار إحدى أهم شخصيات الإمبراطور على شيء، فإنما يدل على مهارة العيلي الفائقة وقدرته على شق طريقه منذ اللحظة الأولى.
ولافت للنظر أيضاً أن أحمد زكي كان حينها فناناً شاباً يقف وسط نجوم كبار مثل نادية الجندي ومحمود ياسين، ومع ذلك أثبت حضوره بجدارة. والأمر ذاته ينطبق على العيلي الذي كان شاباً يبحث عن فرصة حقيقية وسط قامات فنية كبيرة على رأسها الفنان محمد رمضان صاحب الشعبية الجارفة، ورغم ذلك فرض حضوره وترك بصمة جعلت المسرحيين يشيرون إليه بفخر معتبرين إياه صناعة مسرحية خالصة.
فانطلق العيلي أساساً فوق خشبة المسرح مقدماً عروضاً عديدة ومتألقاً في مسرح الشباب، وكان لانضمامه إلى مركز الإبداع الفني بقيادة خالد جلال نقطة تحول حقيقية ومنطلقاً أساسياً؛ إذ أُديرت موهبته منذ البداية بالشكل الذي أهله اليوم ليكون واحداً من أهم نجوم جيله.
وبين بداياته في مركز الإبداع وانطلاقته الدرامية بشخصية "مسكر"، وصولاً إلى "عوني" دوره البديع في مسلسل (حكاية نرجس) —حيث قدم أداءً يُدرس في التحولات الدرامية لرجل بسيط اعتقد أنه عقيم ولم يجد سبيلاً لممارسة الأبوة إلا عبر طاعة زوجته وسرقة الأطفال، ليتحول إلى كائن يصارع رغبة متوحشة جعلته مجرماً— تتوالى المحطات المضيئة.
بين هذا وذاك، محطات ثرية في المسرح والدراما استحق عنها العيلي هذا التكريم، وأتوقع له نجاحات أكبر وتكريمات أوسع في الفترة القادمة وصولاً إلى موسم رمضان 2027. إنه النجم الشاب الذي اجتمع عليه الجمهور والنقاد، وتوجته أخلاقه وإمكاناته الفنية ليقود خطى ثابتة نحو النجومية الحقة.