على مدى سبعة عقود، انتقلت العلاقات بين الصين والعالم العربي من التضامن السياسي في مواجهة الاستعمار وهيمنة القوى الكبرى إلى شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية، وبينما بدأت الرحلة من مؤتمر باندونج عام 1955، الذي أرست خلاله بكين رؤيتها القائمة على التعايش السلمي والمساواة وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، أصبحت العلاقات اليوم أكثر تعدداً وتشعباً، لتشمل الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والفضاء والذكاء الاصطناعي.
لكن التحول لا يتعلق فقط بتوسع مجالات التعاون، بل يعكس أيضاً اختلافاً في مفهوم العلاقات الدولية؛ فالصين تفضل وصف شركائها العرب بأنهم "شركاء" لا "حلفاء"، في صيغة تسعى من خلالها إلى الجمع بين المصالح المتبادلة وعدم الإقصاء، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية، ولا سيما بين بكين وواشنطن.
البداية من باندونج.. حين التقت الصين بالعالم العربي
تعود جذور العلاقات الصينية-العربية المعاصرة إلى مؤتمر باندونج الذي استضافته إندونيسيا في أبريل 1955، بمشاركة 29 دولة آسيوية وأفريقية.
وشكل المؤتمر نقطة تأسيسية للعلاقات الصينية مع دول العالم العربي وأفريقيا، إذ قدمت بكين، من خلال رئيس وزرائها آنذاك تشو إن لاي، تصوراً للعلاقات الدولية يقوم على مجموعة من المبادئ، في مقدمتها إنهاء الاستعمار، والتعايش السلمي، والمساواة بين الدول، وعدم التدخل في الشئون الداخلية.
وأوجدت هذه الرؤية أرضية سياسية مشتركة مع العديد من الدول العربية، التي كانت تخوض في ذلك الوقت مراحل مختلفة من بناء استقلالها الوطني.
وبعد عام واحد فقط، أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956، لتبدأ بعدها مرحلة من توسيع العلاقات مع عواصم عربية أخرى، من بينها سوريا والمغرب والعراق والجزائر.
من التضامن السياسي إلى شراكات الطاقة
لم تبق العلاقات الصينية-العربية محصورة في المجال السياسي، ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وسعت الدول العربية، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي، علاقاتها مع بكين، في وقت كانت الصين تتحول تدريجياً إلى مستهلك رئيسي للطاقة.
ومع تسارع النمو الاقتصادي الصيني، أصبحت الدول العربية مصدراً رئيسياً لواردات بكين من النفط والغاز، وهو ما أضاف بعداً استراتيجياً جديداً للعلاقات.
وخلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، اتسع نطاق التعاون ليشمل التجارة والاستثمار والتمويل ومشروعات التنمية، بالتزامن مع صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية وتوسع خطط التنمية في الدول العربية.
2004.. تأسيس إطار جماعي للعلاقات
جاء إنشاء منتدى التعاون الصيني-العربي عام 2004 ليمنح العلاقات إطاراً مؤسسياً للحوار والتعاون الجماعي.
وبحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، دخلت العلاقات مرحلة أكثر تقدماً مع انتقالها إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية"، وأقامت الصين شراكات استراتيجية شاملة مع دول عربية، بينها مصر والسعودية والإمارات والبحرين والجزائر.
ولم تعد هذه الشراكات مقتصرة على التجارة أو الطاقة، وإنما امتدت إلى مجالات متعددة، تشمل الطاقة المتجددة والنظيفة، والبنية التحتية، والصحة، والبحث العلمي، والزراعة، والاقتصاد الرقمي، والتنمية الخضراء، والتكنولوجيا، والفضاء، والذكاء الاصطناعي.
لماذا تصر بكين على "الشراكة" وليس "التحالف"؟
يمثل الفرق بين المصطلحين أحد المفاتيح الأساسية لفهم السياسة الصينية تجاه العالم العربي، فوفق الرؤية الصينية، تقوم التحالفات على تشكيل مجموعات محددة قد تتعامل مع أطراف خارجها باعتبارها منافسين أو خصوماً، كما ترتبط غالباً بالتزامات أمنية ودفاعية في مواجهة تهديدات مشتركة.
أما الشراكة، فتقوم على التعاون والمصالح المتبادلة ومبدأ "الفوز المشترك"، وهي، وفق التصور الصيني، أكثر انفتاحاً ولا تستلزم تشكيل تكتل مغلق في مواجهة طرف آخر.
وتؤكد هذه الرؤية كذلك أهمية الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية، بما يسمح بتطوير العلاقات من دون اشتراط تبني نموذج سياسي أو اقتصادي موحد.
وهذا المفهوم يمنح الصين مساحة أوسع لبناء علاقات متوازنة مع دول تختلف في توجهاتها ومصالحها، كما يتيح للدول العربية الحفاظ على علاقاتها مع قوى دولية أخرى.
روح باندونج.. من التاريخ إلى المستقبل
على الرغم من مرور سبعة عقود، لا تزال الصين تنظر إلى مبادئ باندونج باعتبارها أساساً فكرياً يمكن البناء عليه في العلاقات مع العالم العربي.
وتستند الشراكة الحالية إلى عناصر عدة، من بينها الإرث التاريخي الطويل، والثقة السياسية، واحترام السيادة، وعدم التدخل، والمساواة بين الأطراف، إضافة إلى المصالح الاقتصادية المتبادلة.
كما يتقاطع التعاون الصيني مع عدد من الخطط والمشروعات التنموية العربية، مثل مبادرة الحزام والطريق، ورؤية الكويت 2035، ورؤية السعودية 2030 وغيرها من خطط التنمية.
وبذلك انتقلت العلاقة من مجرد توافق سياسي في مرحلة الحرب الباردة إلى تقاطع بين رؤى التنمية والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
القضايا العربية.. مساحة متزايدة للتنسيق
لا تقتصر العلاقات على المصالح الاقتصادية، إذ شهدت السنوات الأخيرة تعمق التنسيق السياسي بين الصين والدول العربية في المحافل الدولية، خصوصاً الأمم المتحدة.
وتتقاطع مواقف الجانبين حول الدعوة إلى نظام دولي أكثر عدالة وإنصافاً، كما دعمت دول عربية مبادرات صينية في مجال الحوكمة الدولية.
ويمنح هذا التنسيق السياسي العلاقات بعداً يتجاوز المصالح الثنائية، ليصل إلى النقاش الأوسع حول شكل النظام الدولي ومستقبل العلاقات بين القوى الكبرى ودول الجنوب العالمي.
القضية الفلسطينية.. اختبار للدور الصيني في المنطقة
تحتل القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في الموقف الصيني من قضايا الشرق الأوسط، وتتعامل بكين معها باعتبارها قضية ترتبط بالعدالة الدولية والاستقرار الإقليمي، وليس مجرد ملف أمني عابر.
وتؤكد الصين دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب تأييدها لحل الدولتين باعتباره المسار الأساسي لإنهاء الصراع.
كما تدعو بكين إلى وقف إطلاق النار في غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ورفض أي محاولات لتغيير الوضع الجغرافي أو الديموغرافي للأراضي الفلسطينية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني وضم الأراضي.
وفي هذا السياق، استضافت الصين في يوليو 2024 حواراً بين الفصائل الفلسطينية انتهى بتوقيع "إعلان بكين" بشأن إنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الفلسطينية، مؤكدة أن إدارة الفلسطينيين لشئونهم تمثل مبدأ أساسياً في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.
وتعكس القضية الفلسطينية بذلك أحد أبرز أوجه التحول في العلاقات الصينية-العربية؛ فبينما تظل المصالح الاقتصادية والطاقة والتجارة محركات رئيسية للشراكة، توفر القضية الفلسطينية مساحة للتنسيق السياسي والدبلوماسي بين بكين والعواصم العربية، خصوصاً داخل الأمم المتحدة.
كما تمنح الصين فرصة لتقديم نفسها باعتبارها قوة دولية تدعم التسوية السياسية وتدافع عن مبدأ حل الدولتين، دون الانخراط في تحالف عسكري مباشر في المنطقة.
فرص واسعة رغم التحديات
رغم اتساع الشراكة، فإن مستقبل العلاقات الصينية-العربية لن يخلو من تحديات، في مقدمة هذه التحديات استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في الشرق الأوسط، بما يمكن أن يؤثر على الاستثمارات ومشروعات التنمية وحركة التجارة والطاقة.
ماذا تحقق بعد 70 عاما من الشراكة؟
بعد 70 عاماً، لم تعد العلاقات الصينية-العربية مجرد امتداد للتضامن الذي جمع دول آسيا وأفريقيا في باندونج بل أصبحت شراكة متعددة الأبعاد تمتد من الطاقة والبنية التحتية إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والفضاء.
وتشير مسيرة العقود السبعة إلى تحول جوهري: من شراكة بدأت بالسياسة، إلى شراكة تقودها المصالح المتشابكة والتنمية والتكنولوجيا.