هيثم الحاج على

معهد دراسات نجيب محفوظ.. من الاستهلاك الاحتفالي إلى الاستثمار الثقافي

الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 05:00 م


يظل نجيب محفوظ واحدا من الأسماء المهمة في تاريخنا المعاصر، حيث كان ذلك العقل الذهبي الذي وازى الهوية المصرية بكل طبقاتها، وعبّر عن الوعي الجمعي في تعقده وتجذره عبر التاريخ والجغرافيا، ولم يكن فحسب مجرد اسم لأديب حاز جائزة نوبل فأحدث نقلة عالمية في مسار الرواية العربية، كما لم يكن فقط مبدعا متعددا كتب الرواية والقصة والسيناريو والمقال والمسرح وشغل موقع الإدارة الثقافية.


على مدار أكثر من عشرة أعوام، أجدني أحمل هذا المقال وأعيد طرح أفكاره كلما أطلت علينا إحدى المناسبات المحفوظية، واليوم، ونحن نحتفل بذكرى صاحب الثلاثية، تقفز الفكرة ذاتها بضرورة وإلحاح أكبر، ذلك أننا — كبنية ثقافية ومؤسسية — ما زلنا نفضل سلوك الاحتفال على منطق الاستثمار، فنحتفي بنجيب محفوظ مرتين أو ثلاثا كل عام عبر مهرجانات ومقالات احتفائية وتظاهرات موسمية، لكننا لم نفكر بجدية حتى الآن في استثمار هذا الرجل وتاريخه ومنتجه الثقافي العريض ليصبح زادا حيا للأجيال القادمة.


إن إعادة نشر أعمال الأديب الكبيرة أو الاكتفاء بمتحف يضم بعض مقتنياته ومكتبته — رغم أهمية ذلك — لا يمكن أن يكون الحل المستدام لتخليد أثره بعد عقود من الآن، فما منح محفوظ اسمه ومكانته هو تلك القيم البنيوية والجمالية المتضمنة في أعماله، والتي تشابكت مع صنوف متعددة من الإبداع الإنساني، وعبرت في الوقت نفسه بصدق وشفافية عن مكونات الهوية المصرية وتحولاتها، ومن ثم، فإن دراسة هذا المنتج داخل إطار علمي ومنهجي منظم هي الخطوة الأهم لتحويل أثره إلى جذر حي في الهوية المعاصرة.


حين أرادت الأمة الإنجليزية تخليد ذكرى وليم شكسبير، كان الخيار الاستراتيجي هو ترسيخ العلم بوصفه الباني الأساسي للوعي بالتاريخ؛ فأسست بريطانيا عام 1951 معهد شكسبير في ستراتفورد كجزء من جامعة برمنجهام، ليغدو اليوم أحد أهم مراكز الدراسات العليا المكرسة لدراسة أدب النهضة الإنجليزية.


من هنا، تتجدد الدعوة إلى تأسيس "معهد دراسات نجيب محفوظ"، ليكون هيئة أكاديمية وعلمية متكاملة تُعنى بدراسة أعماله وما أُخذ عنها وما أُنتج حولها من فنون وآداب،وما يمكن أن يتعلق بها من دراسات فنية وأدبية واجتماعية وتاريخية، فقد كتب محفوظ الرواية والقصة والسيناريو والمسرح، وتشعّبت آثاره إلى أعمال سينمائية وتليفزيونية وإذاعية ومسرحية محفوفة بالترجمات والموسيقى والمعالجات البصرية بلغات متعددة، ووجود معهد علمي يمتلك هذه النظرة الشاملة — وربما تكون "أكاديمية الفنون المصرية" مظلته الأولى والأنسب — من شأنه أن يستوعب التخصصات النقدية والفنية كافة، جنبا إلى جنب مع العلوم الإنسانية من تاريخ واجتماع ونفس وفلسفة وسياسة، لفهم هذا المنجز وفك شفراته، والوعي بما يحيط به من ملابسات تاريخية.


إن تحويل حلم هذا المعهد إلى واقع هو النواة الحقيقية للانتقال من الاحتفائية الباهتة إلى الاستثمار الحضاري في كنز من كنوزنا القومية، ويقتضي الأمر حراكا مؤسسيا ينظم الجهود الفردية للمؤرخين والنقاد ويضعها داخل إطار أكاديمي كبير، حتى لا ينتهي بنا المطاف أمام مظاهر احتفاء شكلية يصيبها الذبول بمرور الزمن، فنفقد القدرة على تقديم نجيب محفوظ للأجيال الجديدة بوصفه مشروعا لوعي المستقبل، لا مجرد صفحة مطوية في ذاكرة الماضي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة