منابر تتحدث باسم الدين، وتقدم نفسها للجمهور باعتبارها حاملة لقيم الإسلام ومدافعة عن مبادئه، لكنها في الوقت نفسه تنزلق إلى خطاب يقوم على التشهير بالأشخاص، وتتبع عيوبهم، والسخرية منهم، وتحويل الخلاف السياسي إلى حملات للنيل من السمعة.
مفارقة صارخة بين الدين الذي يفترض أن يصون كرامة الإنسان، وخطاب يستخدم الدين غطاءً بينما يجعل من أعراض الناس وسمعتهم مادة يومية للاستهلاك السياسي والإعلامي، فإذا كان الخطاب يرفع راية الدين، فإن أول اختبار له هو الالتزام بما جاء به الدين نفسه، والقرآن الكريم لم يترك مسألة الغيبة والنيل من الآخرين بلا تحذير، بل يقول الله تعالى: "ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه"، في تصوير شديد الدلالة لقبح اغتياب الإنسان في غيابه والنيل منه بما يكره.
يتحدثون باسم الدين.. فأين حدود الدين في خطابهم؟
القضية هنا لا تتعلق بمجرد اختلاف في الأسلوب الإعلامي، وإنما بمفارقة أكبر، كيف لمنصة تقدم نفسها باعتبارها صوتا دينيا أن تجعل التشهير وسيلة أساسية في مخاطبة الجمهور؟، فالدين الذي يتحدثون باسمه لا يجعل كرامة الإنسان مباحة عند الخصومة، ولا يمنح المختلف سياسيا حصانة أقل من غيره، ولا يحول الخلاف إلى تصريح مفتوح بانتهاك السمعة.
لكن منابر جماعة الإخوان الإرهابية تتعامل مع الخصومة باعتبارها مبررا لتجاوز الحدود، فتنتقل من مناقشة الأفكار إلى استهداف أصحابها، ومن تفنيد المواقف إلى النيل من الأشخاص، ومن النقد إلى التشهير، وكأن رفع الشعارات الدينية يمكن أن يمنح الخطاب حصانة من المساءلة الأخلاقية.
من "قال الله" إلى التشهير بالناس
الأكثر تناقضا أن الخطاب قد يبدأ باستدعاء آية أو حديث أو موعظة، ثم ينتهي بتجريح شخص أو التشكيك في سمعته أو تداول تفاصيل عنه بقصد الانتقاص منه، وهنا يصبح السؤال عن الفعل لا الشعار، هل يكفي أن يذكر المتحدث اسم الله في مقدمة حديثه حتى يصبح ما يقوله دينيا؟ أم أن الدين يفرض على من يتحدث باسمه أن يلتزم أولا بأخلاق الكلمة وحدودها؟
فالقرآن الكريم يقول أيضا: "ويل لكل همزة لمزة"، في تحذير واضح من الهمز واللمز والانتقاص من الآخرين، وهي ممارسات لا تصبح مقبولة لمجرد انتقالها من مجلس خاص إلى شاشة أو منصة إلكترونية.
التشهير ليس نقدا.. وتحويل الخلاف إلى اغتيال للسمعة ليس دعوة
النقد يناقش موقفا أو فكرة أو أداء، أما التشهير فيستهدف الإنسان نفسه، ويضع سمعته في مرمى الجمهور، ويستخدم التلميحات والاتهامات والسخرية والعبارات الجارحة لصناعة صورة سلبية عنه، وحين تمارس هذه الأدوات عبر منصات تزعم الحديث باسم الدين، تصبح المفارقة أكثر وضوحا لأن الخطاب الديني يفترض أن يكون أكثر حرصا على أعراض الناس وكرامتهم، لا أن يكون التشهير أحد أسلحته في الخصومة السياسية.
تكرار الإساءة.. عندما تتحول الغيبة إلى ماكينة إعلامية
التشهير لا يتوقف عند منشور أو مقطع، وإنما يعتمد أحيانا على إعادة تدوير الإساءة نفسها عبر منصات متعددة، حتى يتحول الادعاء إلى مادة متكررة أمام الجمهور، ومع كل إعادة نشر، تتسع دائرة الضرر، ويصبح المستهدف أمام حملة متواصلة لا تبحث بالضرورة عن الحقيقة، وإنما عن تثبيت صورة ذهنية سلبية عنه.
وهنا تنتقل الغيبة من كلمة تقال في غياب شخص إلى صناعة إعلامية كاملة تستثمر في سمعته، وتعيد إنتاج الكلام عنه، وتمنحه مساحة انتشار لم يكن ليحصل عليها في الظروف الطبيعية.
الدين ليس ستارا لإباحة أعراض الناس
الأخطر أن استخدام الخطاب الديني في هذه الحالة لا يضيف مصداقية إلى التشهير، وإنما يكشف حجم التناقض بين الرسالة المعلنة والممارسة الفعلية، فمن يختار أن يتحدث باسم الإسلام عليه أن يدرك أن الإسلام لم يجعل أعراض الناس مباحة في الخصومة، ولم يجعل الاختلاف السياسي رخصة للسباب أو التشهير أو اللمز، ولم يساوِ بين امتلاك منبر وامتلاك الحق في إدانة الآخرين، والأصل أن يكون الدين ضابطا للكلمة، لا غطاء لتجاوزها وأن تكون المنابر التي ترفع شعاراته أكثر التزاما بالحق والعدل وصيانة الكرامة.
الاختبار الحقيقي ليس في رفع الشعارات.. بل في أخلاق الخطاب
لا يُقاس الخطاب الديني بعدد الآيات التي يستشهد بها المتحدث، ولا بكمية العبارات التي تحمل مفردات دينية، وإنما بما يتركه هذا الخطاب من أثر في سلوك أصحابه، فمن يتحدث باسم الدين ثم يجعل من التشهير بالناس مادة إعلامية، يضع نفسه أمام تناقض لا يمكن تغطيته بالشعارات لأن الكلمة التي تبدأ باسم الله لا ينبغي أن تنتهي بظلم إنسان أو اغتيال سمعته.
وهنا تبدو المفارقة كاملة: منابر تزعم الدفاع عن الدين، بينما تحتاج هي نفسها إلى التذكير بأبسط ما وضعه الدين من حدود للكلمة، وأوضح ما حذر منه القرآن من غيبة ولمز وتشويه للآخرين.