في خطوة جديدة تعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بين مصر والصين، وتعزز التعاون في مجالات التعليم والتكنولوجيا والصناعة، شهد مايو الماضي مراسم توقيع اتفاقية عمل ومذكرة تفاهم لإنشاء وتشغيل مركز تدريب مهني وتقني وتكنولوجي بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، داخل منطقة «تيدا» الصناعية المصرية الصينية بالعين السخنة، بمشاركة جامعة قناة السويس وعدد من المؤسسات التعليمية والصناعية المصرية والصينية.
وجاء توقيع الاتفاقية في إطار العلاقات المتنامية بين البلدين، وفي ضوء الدور الذي تضطلع به جامعة قناة السويس في دعم التعاون المصري الصيني، خاصة في مجالات التعليم التقني والتكنولوجي وإعداد الكوادر البشرية المؤهلة لتلبية احتياجات سوق العمل والصناعة.
مركز متخصص لتأهيل كوادر المصانع الصينية
وتستهدف الاتفاقية إنشاء وتشغيل مركز متخصص في التدريب المهني والتقني والتكنولوجي، ليكون منصة لإعداد وتأهيل الفنيين والتكنولوجيين الذين سيعملون داخل المصانع الصينية بالمنطقة الصناعية المصرية الصينية «تيدا».
ويأتي المشروع في إطار توجه مشترك لربط التعليم باحتياجات الصناعة، من خلال إعداد كوادر فنية تمتلك المهارات والخبرات العملية اللازمة للعمل في المجالات الصناعية والتكنولوجية الحديثة، بما يسهم في دعم الاستثمارات الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
منحة صينية لتجهيز المركز
وتنص الاتفاقية على أن يتم إنشاء وتجهيز المركز بالكامل من خلال منحة مقدمة من دولة الصين، تشمل المعدات والماكينات والتجهيزات الفنية اللازمة لتنفيذ برامج التدريب.
فيما تتولى جامعة قناة السويس، ممثلة في الكلية المصرية الصينية للتكنولوجيا التطبيقية، المساهمة في إعداد ووضع المقررات والبرامج التدريبية، وتدريب الفنيين والتكنولوجيين، والمشاركة في إعداد شهادات معتمدة مشتركة بين الجامعة والجانب الصيني.
كما تشمل الشراكة توفير التدريب العملي والتقني للمتدربين، بهدف تأهيلهم للعمل داخل المصانع الصينية المقامة في منطقة «تيدا» الصناعية.
جامعة قناة السويس شريك رئيسي في المشروع
وقّع الدكتور ناصر مندور، رئيس جامعة قناة السويس، الاتفاقية ممثلًا عن الجامعة، بمشاركة السيد هونغ وي، رئيس كلية بكين لتكنولوجيا المعلومات، والسيد لي شينغ جيه، عميد كلية التعليم الدولي بكلية بكين لتكنولوجيا المعلومات، إلى جانب السيد تساو هوي، المدير التنفيذي لشركة تيدا مصر لتنمية المنطقة الاقتصادية، والسيد وي جيان تشينغ، المدير العام لشركة تيدا مصر لتنمية المنطقة الاقتصادية، وبحضور نائب رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وتعكس الاتفاقية أهمية الشراكة بين المؤسسات التعليمية والجهات الصناعية والاستثمارية، بما يسمح بمواءمة برامج التعليم والتدريب مع الاحتياجات الفعلية للمصانع والمشروعات الصناعية.
«الكلية المصرية الصينية».. خبرات أكاديمية في خدمة الصناعة
وتستند مشاركة جامعة قناة السويس إلى خبرتها الواسعة في مجال التعليم التقني والتكنولوجي والتعاون مع المؤسسات التعليمية الصينية، خاصة من خلال الكلية المصرية الصينية للتكنولوجيا التطبيقية، التي تتعاون مع كلية بكين لتكنولوجيا المعلومات بالعاصمة الصينية.
وتوفر هذه الشراكة قاعدة أكاديمية وتكنولوجية مهمة لدعم مركز التدريب الجديد، والاستفادة من الخبرات المصرية والصينية في إعداد البرامج التدريبية وتأهيل الفنيين وفق أحدث النظم والمعايير الصناعية.
كما تأتي مشاركة الجامعة في ضوء عضويتها في التحالف الصيني لعام 2024 «تحالف بكين – تيانجين – خبي»، باعتبارها إحدى الجامعات المصرية الرائدة في التعاون بمجال التعليم التقني والتكنولوجي بين مصر والصين.
تعاون مصري صيني يمتد من التعليم إلى التكنولوجيا
وخلال لقاء موسع عقد على هامش مراسم التوقيع التي شهدها مايو الماضي، استعرض الدكتور ناصر مندور حجم التعاون الذي يجمع جامعة قناة السويس بالمؤسسات التعليمية الصينية، مؤكدًا أن الجامعة تعد من أكبر الجامعات المصرية من حيث حجم الشراكات والتعاون مع المؤسسات التعليمية الصينية.
وأوضح أن الجامعة تضم معهد كونفوشيوس، وقسمين لتعليم اللغة الصينية، إلى جانب قسم للغة الصينية بجامعة الإسماعيلية الجديدة الأهلية، فضلًا عن معهد الاستزراع السمكي والكلية المصرية الصينية للتكنولوجيا التطبيقية.
وتعكس هذه المنظومة تعدد مجالات التعاون بين الجانبين، التي تمتد من تعليم اللغة والثقافة الصينية إلى التعليم التكنولوجي والتطبيقي والتدريب والبحث العلمي.
لقاء مع قيادات التعليم في بكين
وعلى هامش الفعاليات، التقى الدكتور ناصر مندور بالسيد Yu Yingjie، سكرتير الحزب للتعليم وعضو مجلس بلدية بكين، والوفد المرافق له من بلدية بكين والحزب، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون الأكاديمي والثقافي والتكنولوجي خلال المرحلة المقبلة.
واستعرض الجانبان فرص توسيع التعاون وتبادل الخبرات بين المؤسسات التعليمية المصرية والصينية، بما يدعم بناء شراكات أكثر فاعلية في مجالات التعليم والتكنولوجيا والتدريب.
وأشار Yu Yingjie إلى الإمكانات التعليمية الكبيرة التي تمتلكها العاصمة الصينية بكين، موضحًا أنها تضم 102 جامعة، من بينها 45 جامعة حكومية، إلى جانب عدد من الجامعات الأهلية، كما تستقبل نحو 158 ألف طالب وافد من مختلف دول العالم.
التعاون الثقافي حاضر في المشهد المصري الصيني
وشهد برنامج الفعاليات، الذي جرى في مايو الماضي، توقيع وإزاحة الستار عن اتفاقية إطار عمل للتعاون بين مركز أبحاث التعاون الثقافي والسياحي الصيني العربي والمجلس الأعلى للثقافة في مصر.
ووقع الاتفاقية السيد Yu Yingjie، سكرتير الحزب للتعليم وعضو مجلس بلدية بكين، والدكتور أشرف العزازي، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، وذلك في إطار دعم التعاون الثقافي والسياحي بين مصر والصين.
كما شهدت الفعاليات توقيع بروتوكول تعاون بين المجلس الأعلى للثقافة وجامعة بكين للدراسات الدولية، إلى جانب توقيع الدكتور أشرف الشيحي، رئيس جامعة بدر، بروتوكول تعاون مع جامعة بكين للدراسات الدولية.
التعليم في خدمة الاستثمار والصناعة
وتبرز أهمية الاتفاقية في كونها لا تقتصر على التعاون الأكاديمي، وإنما تفتح مسارًا مباشرًا لربط التعليم والتدريب باحتياجات الاستثمار والصناعة.
فمع توسع الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يأتي مركز التدريب الجديد ليؤدي دورًا في إعداد الكوادر البشرية القادرة على العمل داخل هذه المشروعات، من خلال برامج تدريبية تجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي.
كما تمثل المنحة الصينية لتجهيز المركز بالمعدات والماكينات والتجهيزات الفنية فرصة لنقل جانب من الخبرات والتقنيات الحديثة إلى منظومة التدريب المصرية، بما يدعم تطوير مهارات الفنيين والتكنولوجيين.
«تيدا» منصة جديدة لتكامل التعليم والصناعة
ويمنح اختيار منطقة «تيدا» الصناعية بالعين السخنة لإقامة المركز أهمية خاصة، باعتبارها إحدى أبرز مناطق التعاون الصناعي والاستثماري المصري الصيني.
ومن هنا، يمكن أن يمثل المركز نموذجًا للتكامل بين الاستثمار والتعليم والتدريب ونقل التكنولوجيا، بحيث لا تقتصر الشراكة المصرية الصينية على إقامة المشروعات الصناعية، وإنما تمتد إلى الاستثمار في العنصر البشري باعتباره أحد أهم مقومات نجاح واستدامة هذه المشروعات.
شراكة تتجه نحو بناء الكوادر ونقل الخبرات
وتؤكد الاتفاقية التي شهدت مراسم توقيعها في مايو الماضي أن العلاقات المصرية الصينية تتجه إلى مساحات أوسع من التعاون، تجمع بين الاستثمار والصناعة والتعليم والتكنولوجيا والثقافة.
وتأتي جامعة قناة السويس في قلب هذا المسار، مستفيدة من موقعها وخبراتها وشراكاتها القائمة مع المؤسسات الصينية، لتؤدي دورًا في إعداد الكوادر الفنية والتكنولوجية، ودعم احتياجات المشروعات الصناعية، وتعزيز جسور التعاون بين مصر والصين.
وبذلك، لا يمثل مركز التدريب الجديد مجرد منشأة تعليمية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وإنما خطوة عملية نحو بناء منظومة متكاملة تستهدف تأهيل الإنسان، ودعم الصناعة، ونقل الخبرة، وتعميق الشراكة المصرية الصينية.