استقرار الدولة يضرب مشروع الإخوان في مقتل.. مؤسسات قوية ووعي وطني متماسك يسقطان رهانات التنظيم الإرهابي على الفوضى ويغلقان مساحات التمدد وإعادة إنتاج خطاب المظلومية
أخطر ما يمكن أن تواجهه جماعة الإخوان الإرهابية ليس مجرد خسارة معركة سياسية، وإنما أن تصبح الدولة نفسها أكثر تماسكا من قدرتها على اختراقها، وأن يفقد التنظيم البيئة التي طالما حاول استغلالها للتمدد وإعادة تقديم نفسه باعتباره بديلا عن مؤسسات الدولة.
فالدولة المستقرة تعني مؤسسات حاضرة، وقانونا يطبق، وخدمات تصل إلى المواطنين، ومجتمعا أكثر تماسكا، ومعلومات يمكن التحقق منها، ومواطنين أكثر قدرة على التمييز بين النقد المشروع ومحاولات هدم الثقة في الدولة. وكل هذه العناصر تضيق المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها التنظيمات المغلقة، وتضع خطاب الإخوان أمام اختبار مختلف: ماذا يمكن أن يقدم التنظيم عندما تتراجع الأزمات التي كان يحاول تحويلها إلى وقود سياسي؟.
الاستقرار يغلق الأبواب التي تعيش عليها الجماعة
التنظيمات التي تراهن على الاستقطاب تحتاج إلى بيئة مضطربة حتى تتمكن من توسيع نفوذها، فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تمنحها فرصة لإعادة تفسير الواقع وفقا لروايتها، واستثمار الغضب والخوف والقلق في بناء حالة من عدم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
أما عندما تكون مؤسسات الدولة حاضرة وقادرة على إدارة الأزمات، فإن مساحة الحركة تتقلص.
وهنا تحديدا يصبح استقرار الدولة المصرية تحديا مباشرا أمام مشروع الإخوان الإرهابي لأن المواطن الذي يجد مؤسسات تعمل أمامه، ويرى الدولة تدير أزماتها وتضع خططا وتنفذ مشروعات وتعلن بياناتها، يصبح أقل احتياجا إلى تنظيم يقدم نفسه باعتباره صاحب الحل الوحيد.
الوعي الوطني.. الحائط الأصعب أمام التنظيم
المواجهة الحقيقية مع الإخوان الإرهابية لا تدور فقط داخل المؤسسات، وإنما داخل وعي المواطن أيضا، فالجماعة تستطيع تغيير أدواتها الإعلامية، وتبديل خطابها، وإعادة تدوير شعاراتها، واستخدام منصات جديدة، لكن قدرتها على التأثير تتراجع عندما يصبح المواطن قادرا على تفكيك الرسالة التي تقدم إليه.
المظلومية.. ورقة تفقد تأثيرها أمام الحقيقة
من أبرز الأدوات التي اعتمد عليها خطاب الجماعة الإرهابية تقديم نفسها باعتبارها الطرف المظلوم دائما، وتحويل كل مواجهة مع التنظيم إلى دليل على استهدافه، ثم استخدام هذه الرواية لإعادة إنتاج التعاطف والاستقطاب.
لكن هذه الورقة تفقد جزءا كبيرا من تأثيرها عندما تتوافر أمام المجتمع معلومات ووقائع متعددة، وعندما يصبح المواطن قادرا على مقارنة الخطاب بالممارسة.
وهنا تتحول المظلومية من أداة للحشد إلى سؤال عن المسؤولية: ماذا فعل التنظيم عندما امتلك السلطة؟ وكيف تعامل مع مؤسسات الدولة؟ وما الذي حدث عندما اصطدمت مصالحه التنظيمية بقواعد الدولة ومؤسساتها؟
فالواقع أثبت أن مسار الجماعة الإرهابية بعد وصولها للحكم ثم سقوطها لم يتوقف عند الخلاف السياسي، بل شهد لاحقا مواجهات وأعمال عنف استهدفت مؤسسات الدولة وأفرادا من قوات الأمن ومدنيين.
كلما تراجعت الفوضى تراجعت مساحة الإخوان الإرهابية
الفوضى ليست مجرد اضطراب في الشارع، وإنما بيئة تسمح بانتشار الشائعات وتضخم المخاوف وانهيار الثقة وظهور كيانات تدعي امتلاك الحل.
ولهذا فإن الدولة المستقرة تضرب التنظيم الإرهابي من زاوية مختلفة تماما فعندما يتم التعامل مع الأزمات من خلال مؤسسات الدولة يصبح التنظيم الإرهابي في مأزق.
الاستقرار يضرب «مشروع التمكين»
التمكين بالنسبة إلى أي تنظيم لا يتحقق بمجرد الوصول إلى موقع سياسي، وإنما يحتاج إلى القدرة على بناء نفوذ ممتد داخل المجتمع ومؤسساته.
وهنا تصبح الدولة المستقرة عقبة أمام هذا النوع من التمدد؛ لأن المؤسسات القوية لا تسمح بوجود مراكز نفوذ موازية، والقانون لا يعترف بولاءات خاصة فوق المواطنة، والمجتمع الواعي يصبح أكثر قدرة على رفض تحويل الدين أو العمل الخيري أو النشاط المجتمعي إلى أدوات للسيطرة السياسية.
ومن ثم فإن استقرار الدولة لا يحرم الإخوان فقط من فرصة الوصول إلى السلطة، وإنما يحد من قدرتهم على إعادة بناء الشبكة التي تسمح لهم بالعودة إلى المجتمع من بوابات مختلفة.
التنظيم أمام معادلة صعبة
المعادلة ببساطة أن التنظيم يحتاج إلى أزمة ليقدم نفسه حلا، بينما الدولة المستقرة تعمل على إدارة الأزمة قبل أن تتحول إلى فراغ.
يحتاج التنظيم إلى حالة من الشك ليقدم روايته، بينما المؤسسات الفعالة تستطيع تقديم المعلومات والبيانات.
يحتاج إلى الاستقطاب ليعيد تجميع أنصاره، بينما التماسك الوطني يقلل من قدرة خطاب الفرقة على التأثير.
ويحتاج إلى مواطن يرى الدولة بعيدة عنه، بينما الدولة الحاضرة في حياة المواطن تغلق هذه المساحة.
لهذا يصبح الاستقرار أكثر من مجرد حالة سياسية أو أمنية؛ إنه تحصين للمجتمع ضد إعادة إنتاج التنظيم.
الدولة الوطنية أكبر من أي تنظيم
المواجهة مع الإخوان الإرهابية لا تعني إغلاق باب النقد أو منع الاختلاف السياسي، بل تعني وضع الخلاف داخل إطاره الطبيعي: مؤسسات الدولة والقانون والمواطنة.
فالدولة القوية لا تخشى النقد، لكنها ترفض أن يتحول النقد إلى وسيلة لإسقاط مؤسساتها، كما أن المواطن الواعي يستطيع المطالبة بالإصلاح دون أن يصبح وقودا لمشروع يستهدف الدولة نفسها.
وهنا تتضح المفارقة التي تواجه التنظيم: كلما أصبحت الدولة المصرية أكثر استقرارا، وكلما زادت قدرة مؤسساتها على إدارة الملفات المختلفة، وكلما ارتفع وعي المواطن، تراجعت المساحة التي يستطيع الإخوان التحرك فيها تحت شعارات المظلومية أو البديل أو الفوضى.