فى مدينة تتغير ملامحها كل عدة عقود، تبقى بعض الأصوات كما هى صوت الأذان يخرج من مسجد قديم، وعلى مسافة غير بعيدة يعلو جرس كنيسة يعرفه سكان المنطقة منذ سنوات طويلة. وبالنسبة إلى العابر قد لا يكون فى الأمر أكثر من صوتين دينيين يتكرران فى الحياة اليومية، لكن بالنسبة إلى المؤرخ فإن المكان والصوت يحملان ذاكرة أخرى؛ ذاكرة لم تكن فيها الكنائس والمساجد منفصلة عن الأحداث الكبرى التى عاشتها مصر.
فماذا حدث عندما كان الاحتلال البريطانى حاضرًا فى الشوارع؟ هل بقيت الكنائس خلف أبوابها تمارس دورها الدينى فقط؟ أم أن بعض هذه الأماكن تحول إلى ساحات للاجتماع والخطابة والنقاش الوطنى، وأصبح رجال الدين أنفسهم جزءًا من الحركة الوطنية؟
الإجابة تقود إلى واحدة من أكثر صفحات التاريخ المصرى دلالة: ثورة 1919
لكن القصة لا تنتهى هناك؛ فدور الكنيسة فى المجال الوطنى ظهر فى صور مختلفة خلال مراحل تالية، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973، ثم ظل المكان الكنسى يحمل فى داخله ذاكرة هذه الأحداث، حتى أصبحت بعض الكنائس جزءًا من «الخريطة غير المكتوبة» للتاريخ الوطنى.
1919 حين خرجت الكنيسة من حدود الطقس إلى قلب الثورة
فى مارس 1919، لم تكن مصر أمام مظاهرة عابرة، وإنما أمام حركة شعبية واسعة تحولت إلى ثورة شملت قطاعات مختلفة من المجتمع.
الطلاب والعمال والموظفون والفلاحون والنساء شاركوا فى الأحداث، وظهر المسلمون والأقباط فى مشهد واحد، بينما تحولت رمزية الهلال والصليب إلى واحدة من أشهر صور الثورة.
وتذكر المصادر التاريخية أن المساجد والكنائس كان لها حضور فى الحركة الوطنية، وأن رجال الدين من الجانبين شاركوا فى الاجتماعات والخطب، حتى أصبح شعار «الدين لله والوطن للجميع» تعبيرًا عن حالة سياسية واجتماعية تجاوزت الانتماء الطائفى.
لكن إحدى أهم المفارقات أن أحد أبرز الأصوات الوطنية فى تلك المرحلة كان كاهنًا قبطيًا إنه القمص مرقس سرجيوس.
القمص سرجيوس.. كاهن على منبر الأزهر
لا يمكن الحديث عن العلاقة بين الكنيسة والحركة الوطنية فى 1919 من دون التوقف عند القمص مرقس سرجيوس، الذى ارتبط اسمه بلقب «خطيب الثورة».
ففى الوقت الذى كان الاحتلال يحاول السيطرة على الشارع المصرى، ظهر سرجيوس فى واحد من أكثر المشاهد رمزية: كاهن قبطى يعتلى منبر الجامع الأزهر ليتحدث أمام المصريين عن الوطن والاستقلال والوحدة.
وتذكر الروايات التاريخية أنه ألقى خطبًا فى الأزهر خلال الثورة، كما شارك فى خطب ومواقف وطنية أخرى، واستمر نشاطه فى مواجهة الاحتلال حتى تعرض للنقل والنفى.
وهنا لا تكمن أهمية الواقعة فى شخص سرجيوس وحده، الأهمية الحقيقية أن المشهد قلب الصورة التقليدية للمؤسسة الدينية؛ فلم يعد المسجد فى تلك اللحظة مساحة للمسلمين وحدهم، ولم تعد الكنيسة مكانًا مغلقًا على الأقباط وحدهم، وإنما أصبح الاثنان جزءًا من المجال الوطنى الأوسع، فكان الكاهن يتحدث من الأزهر، بينما كانت الكنيسة نفسها تستقبل اجتماعات ذات مضمون وطنى.
كنيسة فى مواجهة الاحتلال.. لا مجرد جدران للصلاة
قد تبدو عبارة «الكنيسة فى مواجهة الاحتلال» واسعة أكثر من اللازم إذا أطلقت على المؤسسة بأكملها، ولذلك تحتاج إلى تدقيق تاريخى فالأدق أن نقول إن شخصيات كنسية ومواطنين أقباطًا شاركوا فى الحركة الوطنية، وإن عددًا من الكنائس أصبح مسرحًا لاجتماعات ومواقف سياسية خلال تلك المرحلة وهذا التفريق مهم فالتاريخ لا يكتب فقط من خلال قرارات القيادات الدينية، وإنما أيضًا من خلال حركة الناس داخل المجتمع وهنا تظهر قيمة الكنيسة باعتبارها مكانًا.
المكان الذى اعتاد الناس الذهاب إليه للصلاة أصبح فى لحظة تاريخية معينة مكانًا للاجتماع وإعلان المواقف، ثم عاد بعد انتهاء الحدث إلى وظيفته الطبيعية، لكن الذاكرة لم تعد كما كانت، فالاجتماع انتهى، والخطباء رحلوا، والاحتلال تغير، لكن الحكاية بقيت مرتبطة بالمبنى.
«الاجتماع العظيم».. ألفا قبطى داخل الكاتدرائية
وفى صباح يوم 21 نوفمبر 1919، ازدحمت الكاتدرائية المرقسية الكبرى بنحو ألفين من الأقباط، وفق ما نقله سعيد الشحات عن مذكرات عبد الرحمن فهمى فلم يكن الاجتماع احتفالًا كنسيًا تقليديًا.
وكانت مصر تعيش أزمة سياسية، وكان السلطان فؤاد قد أصدر مرسومًا بتكليف يوسف وهبة باشا بتشكيل الحكومة.
لكن قطاعًا من الحركة الوطنية رأى أن قبول وهبة تشكيل الوزارة يمثل مخالفة للموقف الوطنى الرافض للتعاون مع لجنة ملنر ومطالب الاستقلال وداخل الكاتدرائية جرى تنظيم اجتماع وطنى واسع.
وبدأت الفعاليات بصلاة، ثم توالت الكلمات، وشارك عدد من الشخصيات فى الحديث عن الموقف الوطنى.
وكان من بين الخطباء القمص مرقس سرجيوس الأكثر دلالة أن الاجتماع لم ينته بمجرد الخطب فقد أُعد بيان احتجاج بعنوان «إلى الأمة المصرية»، ووقع عليه الحاضرون، كما أرسل المجتمعون برقية إلى يوسف وهبة يطالبونه بالامتناع عن قبول المنصب، مؤكدين أن القضية بالنسبة إليهم مرتبطة بالاستقلال والموقف من الاحتلال وهنا تصبح الكاتدرائية وثيقة سياسية ليست لأن الكنيسة تحولت إلى حزب سياسى، وإنما لأن حدثًا سياسيًا وطنيًا وقع داخل مبنى دينى، وشارك فيه آلاف المواطنين.
لماذا كانت واقعة يوسف وهبة مهمة؟
القصة تكشف شيئًا أكبر من مجرد خلاف حول تشكيل حكومة، فيوسف وهبة كان قبطيًا، وكان يمكن أن ينظر البعض إلى وصوله إلى رئاسة الحكومة باعتباره تمثيلًا سياسيًا للأقباط، لكن الاجتماع الذى ضم آلاف الأقباط جاء ليقول إن المسألة لا تُقاس بالهوية الدينية وحدها والموقف الوطنى كان أقوى من فكرة «رئيس حكومة قبطى» وهذه النقطة تساعد على فهم طبيعة اللحظة السياسية فى 1919؛ فالدين لم يختفِ من المشهد، لكنه لم يكن بالضرورة العامل الوحيد الذى يحدد الموقف السياسى، وكان هناك وطن واحتلال واستقلال، وكانت قطاعات من المصريين ترى نفسها جزءًا من معركة واحدة.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن الأقباط كانوا جزءًا مهمًا من الحركة الوطنية فى 1919، وأن عددًا كبيرًا منهم انضم إلى الوفد والحركة القومية، قبل أن تصبح مشاركتهم جزءًا من بناء الدولة المصرية الحديثة.
من الأزهر إلى الكنيسة.. تبادل الأدوار فى زمن الثورة
وإذا كان القمص سرجيوس قد اعتلى منبر الأزهر، فإن المشهد الآخر كان يتمثل فى وجود شيوخ وعلماء مسلمين داخل المجال الكنسى أو مشاركتهم فى فعاليات ذات طابع وحدوى فالمغزى هنا ليس تسجيل «سابقة» تاريخية، وإنما فهم السياق.
وفى لحظة الثورة، حدث نوع من اختراق الحدود التقليدية للأماكن الدينية فالمسجد لم يعد مكانًا دينيًا فقط، والكنيسة لم تعد مكانًا دينيًا فقط فكلاهما كان جزءًا من المجتمع، والمجتمع كان فى حالة ثورة.
ولهذا تبدو صورة الهلال الذى يعانق الصليب أكثر من مجرد صورة فوتوغرافية جميلة؛ إنها تلخيص بصري لتحول سياسى واجتماعى حدث فى الشارع المصرى حين يصبح المبنى أرشيفًا
لكن ماذا يبقى من هذه الأحداث بعد مرور مائة عام؟ لا يبقى الحدث نفسه، بالطبع. وتبقى الوثائق والمذكرات والصور، وتبقى أسماء الأشخاص.
لكن هناك شيئًا آخر أكثر هدوءًا: المكان. والمبنى الذى شهد الحدث يستمر فى الوجود، ويستقبل أجيالًا جديدة لا تعرف بالضرورة كل تفاصيل ما جرى داخله وهنا تتحول الكنيسة إلى نوع من «الأرشيف الحى».
ليس أرشيفًا بالمعنى التقليدى؛ فلا توجد بالضرورة وثيقة معلقة على الجدار تقول ماذا حدث فى كل يوم لكن المكان نفسه يحمل القصة، وهذا ما يجعل بعض الكنائس المصرية ذات قيمة تتجاوز قيمتها الدينية والمعمارية؛ لأنها مرتبطة بتاريخ المدينة والمجتمع والسياسة.
من الاحتلال البريطانى إلى أكتوبر.. تغيرت المواجهة وبقيت فكرة الوطن
ولم يكن عام 1919 آخر محطة فى العلاقة بين الكنيسة والقضايا الوطنية ومع مرور العقود تغيرت طبيعة التحديات التى تواجه مصر، ولم يعد الاحتلال البريطانى هو القضية الوحيدة، وظهرت قضايا السيادة والحروب العربية الإسرائيلية واستعادة الأرض، وفى حرب أكتوبر 1973 ظهر دور كنسى آخر، مختلف فى طبيعته عن دور القمص سرجيوس فى ثورة 1919.
وبحسب الهيئة العامة للاستعلامات، عقد البابا شنودة الثالث اجتماعًا مع الكهنة والجمعيات القبطية لحثهم على الإسهام فى دعم المجهود الحربى، وشُكلت لجان لجمع التبرعات والإعلام الخارجى، كما قدمت الكنيسة مساعدات شملت بطاطين وأجهزة نقل دم لجهات الدولة وهنا لم يكن المشهد خطبة سياسية من فوق منبر مسجد لكن كان المشهد مختلفًا من دعم مجتمعى لمجهود حربى وطنى.
وهذا التحول مهم؛ لأنه يوضح أن العلاقة بين الكنيسة والوطن لم تكن ثابتة فى شكل واحد، وإنما تغيرت حسب طبيعة اللحظة التاريخية.
البابا شنودة والجبهة.. الكنيسة خلف الدولة فى الحرب
وفى عام 1974، زار البابا شنودة مدينة السويس، وألقى كلمة تشجيع للجنود، وزار مقابر الشهداء ووضع إكليلًا على النصب التذكارى، بحسب الهيئة العامة للاستعلامات.
وتسجل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية نفسها ضمن تاريخ البابا شنودة مواقفه الوطنية ومساندته للوطن خلال حرب 6 أكتوبر 1973، وهنا يظهر وجه آخر من وجوه الذاكرة الوطنية: الشهيد، الجندى، المدينة، والكنيسة، وكلها عناصر تدخل فى حكاية الحرب.
الكنيسة كـ«شاهد» لا كطرف سياسى
وليس من الدقيق تحويل التاريخ إلى رواية تقول إن الكنيسة المصرية كانت دائمًا طرفًا سياسيًا مباشرًا فى كل الأحداث الوطنية، فالكنيسة مؤسسة دينية لها دور روحى ومجتمعى، بينما شارك أفراد من رجال الدين والأقباط فى لحظات سياسية مختلفة بدرجات متفاوتة.
وتشير دراسات أكاديمية إلى أن التركيز المبالغ فيه على البطريرك باعتباره الممثل السياسى الوحيد للأقباط يمكن أن يحجب أدوارًا أخرى لعبها العلمانيون والأفراد والجماعات القبطية فى الحياة السياسية المصرية.
وهذا التفريق يجعل الصورة أكثر إنصافًا فليست القضية أن الكنيسة «استولت» على السياسة، وإنما أن الكنيسة، بوصفها مؤسسة موجودة داخل المجتمع، وجدت نفسها فى أوقات الأزمات جزءًا من حركة المجتمع الأوسع.
الجرس.. هل يمكن أن يكون شاهدًا على التاريخ؟
لا توجد ضرورة للقول إن جرس الكنيسة نفسه كان أداة مقاومة أو وسيلة اتصال بالثوار ما لم تثبت الوثائق ذلك لكن يمكن استخدامه صحفيًا باعتباره رمزًا للذاكرة. فالصوت الذى يتكرر كل يوم هو نفسه الذى مر على أجيال مختلفة، فجيل عاش الاحتلال وجيل شارك فى الثورة وجيل عاش الحرب وجيل شاهد تغير المدينة وبهذا يصبح الجرس استعارة عن الاستمرارية. وتتغير الحكومات، وتنتهى الحروب، وتسقط أنظمة وتظهر أخرى، بينما يظل المكان شاهدًا على ما مر به الناس.