تحولت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أيرلندا إلى اختبار جديد للعلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، بعدما استغل وجوده في دبلن لتوجيه انتقادات حادة إلى السياسات الأوروبية في ملفات التجارة والهجرة والطاقة والتنظيمات، بالتزامن مع إثارته قضية حساسة تتعلق بمستقبل أيرلندا الشمالية. وبينما حاولت الحكومة الأيرلندية الحفاظ على الطابع الهادئ للزيارة والتأكيد على قوة العلاقات الاقتصادية مع واشنطن، كشفت تصريحات ترامب عن اتساع الفجوة بين الطرفين بشأن عدد من الملفات الاستراتيجية.
وجاءت زيارة ترامب في توقيت شديد الحساسية، إذ تتولى أيرلندا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، ما يجعل دبلن في موقع متقدم في إدارة العلاقة بين بروكسل وواشنطن، وقال ترامب إنه يحب أوروبا بسبب جذوره العائلية، لكنه انتقد ما وصفه بالمشكلات المرتبطة بالتجارة والطاقة والهجرة والتنظيمات الأوروبية، مؤكداً أن العلاقات الاقتصادية لا تعني بالضرورة الاتفاق السياسي.
التجارة.. ملف مرشح لمزيد من التوتر
كان الاقتصاد والتجارة في مقدمة انتقادات ترامب، خصوصاً نموذج أيرلندا في جذب الشركات الأمريكية الكبرى، ولا سيما شركات الأدوية والتكنولوجيا. وبينما ترى دبلن أن الاستثمارات الأمريكية تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الأيرلندي، ينظر ترامب إلى وجود هذه الشركات خارج الولايات المتحدة باعتباره دليلاً على خسارة واشنطن جزءاً من النشاط الاقتصادي والوظائف.
ومن المنظور الأوروبي، فإن القضية تتجاوز أيرلندا لتصل إلى العلاقة التجارية مع الولايات المتحدة بأكملها. فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى الحفاظ على السوق الأمريكية باعتبارها من أهم شركائه التجاريين، لكنه في الوقت نفسه يريد الاحتفاظ بحق وضع قواعده الخاصة في مجالات الضرائب والمنافسة والبيئة والتنظيم.
ولهذا فإن تصريحات ترامب قد تعيد فتح ملف الرسوم والضغوط التجارية، خصوصاً إذا انتقلت انتقاداته من الخطاب السياسي إلى إجراءات اقتصادية جديدة. ويبدو أن بروكسل سيكون أمام معادلة صعبة: تجنب مواجهة تجارية واسعة مع واشنطن، مع عدم السماح بأن تتحول الضغوط الأمريكية إلى وسيلة للتأثير في التشريعات الأوروبية.
الهجرة.. اتفاق في الهدف وخلاف على الطريقة
الملف الثاني هو الهجرة. ترامب يضغط باستمرار على الدول الأوروبية لتشديد الرقابة على الحدود وتقليل تدفقات المهاجرين، بينما شهدت أوروبا بالفعل تشديداً متزايداً في سياسات الحدود واللجوء.
لكن الخلاف الأساسي يتعلق بمن يحدد هذه السياسات. فحتى عندما تتفق الحكومات الأوروبية مع واشنطن على ضرورة السيطرة على الحدود، فإنها ترفض أن تتحول السياسة الأوروبية إلى استجابة مباشرة للضغوط الأمريكية.
ومن المتوقع أن يصبح ملف الهجرة أحد مجالات الاختبار الرئيسية للعلاقات عبر الأطلسي، خصوصاً إذا حاولت الإدارة الأمريكية ربط التعاون الأمني أو التجاري مع أوروبا بتغييرات في سياسات الهجرة الأوروبية.
الطاقة.. النفط الأمريكي في مواجهة التحول الأخضر الأوروبي
فتح ترامب أيضاً جبهة الطاقة، منتقداً ارتفاع تكاليف الوقود في أيرلندا، وداعياً إلى زيادة إنتاج النفط في بحر الشمال للمساعدة في خفض الأسعار.
لكن أوروبا تواجه معضلة أكثر تعقيداً. فهي تريد خفض أسعار الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات، لكنها في الوقت نفسه متمسكة بمسار التحول إلى الطاقة النظيفة وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وبالتالي، فإن دعوة ترامب إلى زيادة إنتاج النفط قد تجد آذاناً صاغية في بعض العواصم الأوروبية التي تعاني من ارتفاع تكاليف الطاقة، لكنها لن تكون كافية لتغيير الاتجاه الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي نحو تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في الطاقة المتجددة.
أيرلندا الشمالية.. ترامب يقترب من خط أحمر أوروبي
الأكثر حساسية في زيارة ترامب كان موقفه من مسألة توحيد أيرلندا، بعدما قال إنه سيكون سعيداً برؤية أيرلندا موحدة، واعتبر أن ذلك قد يحدث في نهاية المطاف. هذه التصريحات أثارت ردود فعل سياسية في بريطانيا وأيرلندا الشمالية، في ظل حساسية الملف وارتباطه باتفاق الجمعة العظيمة لعام 1998.
وأكدت لندن أن مستقبل أيرلندا الشمالية لا يقرر من واشنطن أو دبلن، وإنما وفق الآليات الديمقراطية المنصوص عليها في اتفاق السلام. كما حاولت الحكومة الأيرلندية تخفيف تداعيات تصريحات ترامب، مؤكدة أن سياستها تجاه أيرلندا الشمالية لم تتغير.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن التدخل الأمريكي في هذا الملف يختلف عن النهج التقليدي لواشنطن، التي حافظت لعقود على قدر كبير من الحذر تجاه قضية الوضع الدستوري لأيرلندا الشمالية.
الشارع الأوروبي لا يبدو على الموجة نفسها
لم تكن الزيارة خالية من الاحتجاجات، إذ خرج أكثر من 10 آلاف شخص إلى شوارع دبلن للتعبير عن رفضهم لسياسات ترامب، خصوصاً في ملفات الحرب والسياسة الخارجية والهجرة.
وهنا تظهر مفارقة مهمة، وهى أن الحكومات الأوروبية تحاول الحفاظ على العلاقات مع واشنطن، بينما تتسع في بعض المجتمعات الأوروبية حالة الرفض الشعبي لسياسات ترامب.
3 سيناريوهات للمرحلة المقبلة
السيناريو الأول: هدنة تجارية جديدة
يرى الخبراء أنه من المتوقع أن تختار بروكسل وواشنطن احتواء الخلافات، خصوصاً أن المصالح الاقتصادية المتبادلة ضخمة. وفي هذه الحالة ستستمر الانتقادات السياسية، لكن من دون انتقالها إلى حرب تجارية شاملة.
السيناريو الثاني: تصعيد اقتصادي وتنظيمي
إذا واصل ترامب الضغط على أوروبا بشأن الرسوم والتنظيمات، فقد ترد بروكسل بإجراءات مضادة، لتتحول العلاقة إلى مساومة اقتصادية مفتوحة. وهذا السيناريو سيكون الأكثر خطورة على الشركات الأوروبية والأمريكية وسلاسل الإمداد.
السيناريو الثالث: أوروبا تعزز استقلالها الاستراتيجي.
قد تدفع الضغوط الأمريكية المتزايدة العواصم الأوروبية إلى تسريع تنويع مصادر الطاقة والأسواق، وتعزيز القدرات الدفاعية، وتوسيع العلاقات التجارية مع شركاء آخرين، بما يقلل الاعتماد على واشنطن من دون الوصول إلى قطيعة معها.
وفي جميع السيناريوهات، يبدو أن زيارة ترامب لأيرلندا كشفت حقيقة أوسع من مجرد خلاف عابر: العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة لم تعد تقوم فقط على التحالف التقليدي، بل أصبحت مزيجاً من التعاون والمنافسة والمساومة، مع إصرار أوروبي متزايد على أن تكون القرارات المتعلقة بالتجارة والهجرة والطاقة والتنظيمات نابعة من المصالح الأوروبية نفسها.