زخم دبلوماسى مكثف بالسودان.. 4 وفود دولية تتحرك خلال أسبوع بالخرطوم.. إيجاد تعود للمشهد بطلب سودانى لدعم الحوار الداخلى.. "الخماسية" تبحث عن مسار سياسى سودانى.. والأمم المتحدة تضغط لخفض التصعيد وحماية المدنيين

الخميس، 17 سبتمبر 2026 05:00 ص
زخم دبلوماسى مكثف بالسودان.. 4 وفود دولية تتحرك خلال أسبوع بالخرطوم.. إيجاد تعود للمشهد بطلب سودانى لدعم الحوار الداخلى.. "الخماسية" تبحث عن مسار سياسى سودانى.. والأمم المتحدة تضغط لخفض التصعيد وحماية المدنيين دارفور ـ صورة أرشيفية

كتبت ريهام عبد الله

لم تعد الخرطوم خلال سبتمبر الجارى مجرد ساحة للعمليات العسكرية والسياسية الداخلية، وإنما تحولت إلى محطة لحراك دبلوماسى مكثف، مع وصول وفود ومبعوثين إقليميين ودوليين خلال فترة زمنية قصيرة، في وقت تحاول فيه الحكومة السودانية الدفع باتجاه حوار داخلي، بينما تسعى القوى الدولية والإقليمية إلى إيجاد مسار سياسي قادر على وقف الحرب ومعالجة تداعياتها.

 

وخلال الفترة من 6 إلى 12 سبتمبر 2026، شهدت العاصمة السودانية تحركات شملت المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، ووفد الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وإيجاد، إلى جانب المبعوث البريطاني الخاص للسودان ريتشارد كراودر، والممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي لمنطقة القرن الأفريقي آنيت ويبر.

 

وتزامن ذلك مع تطور آخر لا يقل أهمية، تمثل في تحرك السودان عبر منظمة إيجاد، بعدما عادت الخرطوم إلى المشاركة الكاملة في المنظمة في فبراير الماضي، ثم أعادت المنظمة فتح بعثتها في العاصمة السودانية خلال يوليو، قبل أن تطلب الحكومة السودانية في اجتماع وزاري لإيجاد عقد في جيبوتي دعم المنظمة للحوار السوداني الداخلي.

 

أربعة تحركات دبلوماسية في أسبوع واحد

يكشف تتابع الزيارات عن تعدد المسارات التي يجري العمل عليها بالتوازي.

 

ففي الرابع من سبتمبر، وصل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، إلى الخرطوم لإجراء اتصالات مع الأطراف السودانية حول خفض التصعيد وحماية المدنيين، فيما كان قد أجرى قبل وصوله اتصالًا مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي".


وأكدت الأمم المتحدة أن هافيستو ركز على إجراءات عملية لخفض العنف وحماية المدنيين ودفع عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون.

 

وبين 8 و10 سبتمبر، انتقل الحراك إلى مستوى جماعي، مع زيارة الآلية الخماسية إلى الخرطوم في أول مهمة لها بهذا المستوى، بمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيجاد والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية.

 

وقالت الجهات المشاركة إن هدف الزيارة إجراء مشاورات سياسية مباشرة مع الأطراف السودانية والاستماع إلى تقييماتها بشأن الوضع السياسي والأمني، إلى جانب بحث مسار سياسي شامل يقود في نهايته إلى حكومة مدنية.

 

والتقى الوفد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس ومسؤولين سودانيين، كما أجرى اتصالات مع أطراف سياسية ومدنية سودانية.

 

ثم جاء المبعوث البريطاني ريتشارد كراودر إلى الخرطوم في 12 سبتمبر، حيث بحث مع البرهان جهود إنهاء الحرب والحوار السياسي، مؤكداً بحسب ما نقلته السلطات السودانية أهمية حوار "سوداني يقوده السودانيون ويمتلكه السودانيون", وأن يكون شاملًا وشفافًا ويعكس آراء السودانيين داخل البلاد وخارجها.

 

وفي السياق نفسه، كانت آنيت ويبر، الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي لمنطقة القرن الأفريقي، حاضرة في الحراك الدولي بشأن السودان، قبل أن تعرض أمام مجلس الأمن في 14 سبتمبر تقييمًا لمسار الحرب والجهود الدبلوماسية، معتبرة أن هناك تقاربًا أكبر بين التحركات الدولية، بالتزامن مع عمل "الرباعية" و"الخماسية".

 

إيجاد تعود إلى الخرطوم.. من القطيعة إلى الانخراط

يمثل مسار إيجاد أحد أهم التطورات في المشهد الدبلوماسي السوداني خلال 2026.

 

ففي فبراير الماضي، أعلنت إيجاد عودة السودان إلى المشاركة الكاملة في المنظمة، بعد فترة من التوتر والابتعاد عن أنشطتها.

 

واعتبرت المنظمة أن عودة السودان تعزز التضامن الإقليمي وقدرتها على التعامل مع القضايا المشتركة، مؤكدة استعدادها للعمل مع الخرطوم من أجل دعم الحل السلمي.

 

وفي يوليو، اتخذت عودة إيجاد بعدًا عمليًا بإعادة فتح بعثتها في الخرطوم، خلال زيارة الأمين التنفيذي للمنظمة وركينه جيبهو إلى السودان، حيث التقى البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس.

 

وأكدت إيجاد حينها أن وجودها في الخرطوم يهدف إلى تعزيز الحوار والشراكة والتنسيق مع الحكومة والأطراف السودانية، فيما شدد الأمين التنفيذي على أن السلام يجب أن يكون من خلال مسار يقوده السودانيون.

 

وهنا يبرز التطور الأحدث: السودان طلب من إيجاد دعم الحوار السوداني الداخلي.

ففي اجتماع وزاري لإيجاد عقد في جيبوتي في 15 سبتمبر، دعا وكيل وزارة الخارجية السودانية معاوية عثمان خالد المنظمة إلى دعم حوار داخلي سوداني بعيدًا عن التدخل الخارجي، وفق ما نقلته سودان تربيون، عن بيان لوزارة الخارجية السودانية.

 

ويأتي هذا الطلب في توقيت تحاول فيه الخرطوم تقديم الحوار الداخلي باعتباره المسار السياسي الأساسي لمعالجة الأزمة، بالتوازي مع التحركات الدولية التي تبحث عن وقف الحرب وتهيئة الظروف لتسوية سياسية.

 

لماذا أصبحت إيجاد مهمة في هذه المرحلة؟

أهمية إيجاد بالنسبة إلى السودان لا ترتبط فقط بكونها منظمة إقليمية، وإنما أيضًا بعلاقتها المباشرة بالقرن الأفريقي ودول الجوار السوداني.

 

والمنظمة كانت أحد الأطراف الأساسية في الجهود الدبلوماسية المتعلقة بالحرب السودانية منذ اندلاعها، كما أصبحت عضوًا في الآلية الخماسية التي تضم إلى جانبها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية.

 

وبالتالي فإن عودة الخرطوم إلى المنظمة تعني عمليًا عودة قناة إقليمية كانت متعثرة، في وقت يحاول فيه المجتمع الدولي تنسيق المبادرات المختلفة بدل استمرار تعدد المسارات بصورة منفصلة.

 

وفي يوليو، أكدت إيجاد أن دورها في السودان يقوم على دعم الحوار والتعاون، مع إعادة فتح مكتبها في الخرطوم كمنصة للتواصل مع الحكومة والشعب السوداني والشركاء الإقليميين والدوليين.

 

"الخماسية" تبحث عن مسار سياسي سوداني

لم تبدأ تحركات الآلية الخماسية في سبتمبر، وإنما سبقتها مشاورات مع القوى السياسية والمدنية السودانية.

 

ففي يونيو، عقدت الآلية مشاورات في أديس أبابا مع طيف من القوى السياسية والمدنية، بهدف بحث مسارات إقامة لجنة تحضيرية لحوار سوداني شامل. وأكدت إيجاد، باعتبارها أحد أعضاء الآلية، التزام المجموعة بدعم عملية سياسية «سودانية القيادة والملكية»، مع التأكيد على أن تكون شاملة.

 

وفي أغسطس، قالت الآلية إنها تواصل المشاورات مع الكتل والأحزاب السياسية السودانية، مؤكدة أن المشاركة الواسعة ضرورية لبناء الثقة والشرعية والتفاهم المشترك حول عملية سياسية سودانية ذات مصداقية. كما أكدت احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ورفض الهياكل الحكومية الموازية.

 

ثم جاءت زيارة الخرطوم في سبتمبر لتضع هذه المشاورات على أرض الواقع.

 

وأعلنت الآلية عقب الزيارة أنها أجرت مناقشات مع القيادة السودانية ورئيس الوزراء ومسئولين بالحكومة وعدد من القوى السياسية والمدنية، في إطار محاولة دفع مسار سياسي شامل.

 

لجنة الحوار السوداني تدخل على خط الحراك الدولي

بالتوازي مع التحركات الخارجية، تعمل لجنة سودانية على تهيئة الحوار الداخلي.

 

وبحسب وكالة السودان للأنباء، أعلنت اللجنة التحضيرية للحوار السوداني أنها توصلت إلى تفاهمات مع ممثلي الآلية الخماسية ومع أطراف إقليمية ودولية لدعم عملية الحوار، كما بحثت إمكانية بدء الحوار في ظل استمرار الحرب، معتبرة أن العملية السياسية لا يشترط أن تنتظر انتهاء القتال.


وأعلنت اللجنة كذلك بدء مشاورات مع منظمات المجتمع المدني والشباب والمجموعات المجتمعية، إلى جانب التواصل مع القوى السياسية داخل السودان وخارجه، بهدف توسيع المشاركة والوصول إلى حوار لا يقوم على الإقصاء.

 

وهذا المسار يتقاطع مع ما أعلنته الآلية الخماسية نفسها من رغبتها في دعم عملية سياسية شاملة، لكنه في الوقت ذاته يكشف وجود أسئلة حول طبيعة الأطراف التي ستشارك في الحوار وحدود مشاركة القوى المرتبطة بالأطراف المتحاربة.

 

خلافات داخلية حول شكل الحوار

رغم الحراك الدولي والإقليمي، فإن عملية الحوار السوداني لا تحظى بتوافق سياسي كامل.

 

فعدد من القوى السياسية أبدى تحفظات على العملية، بينما أعلنت قوى أخرى استعدادها للمشاركة أو التعامل معها بشروط مختلفة.

 

وكانت لجنة الحوار قد قالت إنها ستتواصل مع القوى السياسية داخل السودان وخارجه، بما فيها قوى أعلنت رفضها للمبادرة، في محاولة لتوسيع قاعدة المشاركة.

 

وفي المقابل، برزت مواقف سودانية ترى أن الحوار يجب أن يكون شأنًا داخليًا بالدرجة الأولى، وهو ما يتقاطع مع طلب الخرطوم من إيجاد دعم الحوار مع التشديد على رفض التدخل الخارجي.

 

وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية في المرحلة الحالية: كيف يمكن الجمع بين الدعم الدولي والإقليمي للحوار وبين التأكيد السوداني على ملكية العملية السياسية؟.

 

مساران متوازيان.. وقف الحرب والحوار السياسي

الحراك الأخير يكشف أن هناك مسارين لا يمكن فصلهما بسهولة، الأول يتعلق بمحاولات وقف إطلاق النار وخفض التصعيد وحماية المدنيين، وهو ما ركز عليه المبعوث الأممي هافيستو.

 

والثاني يتعلق بالمستقبل السياسي للسودان وشكل الدولة والعملية الانتقالية، وهو ما تحاول الآلية الخماسية واللجنة التحضيرية للحوار السوداني دفعه إلى الأمام.

 

الأمم المتحدة أكدت أن التسوية التفاوضية تظل ضرورية للوصول إلى وقف شامل ومستدام للقتال، بالتوازي مع عملية سياسية سودانية واسعة.

 

أما الآلية الخماسية فأكدت أن هدفها بناء مسار سياسي شامل يقود إلى حكومة مدنية، مع استمرار التشاور مع القوى السياسية والمدنية السودانية.

 

نشاط دبلوماسي مكثف.. لكن لماذا الآن؟

يتزامن هذا النشاط الدبلوماسي مع استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية، بما يجعل تكلفة استمرار الصراع أكبر على السودان والمنطقة.

 

وحذّر برنامج الأغذية العالمي في 14 سبتمبر من فجوة تمويلية تقارب 300 مليون دولار للحفاظ على عملياته الحالية في السودان، بينما يواجه نحو 20 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، وفق ما نقلته رويترز.

 

كما يتزامن الحراك مع تحولات في الموقف الدولي من الصراع، من بينها استمرار النقاش داخل مجلس الأمن بشأن توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل السودان بأكمله.


وقرر المجلس في 11 سبتمبر تمديد حظر السلاح على دارفور لمدة شهر إضافي مع استمرار المشاورات بشأن المقترح الأمريكي.


وبذلك، لا تتحرك الدبلوماسية بمعزل عن التطورات العسكرية والإنسانية، وإنما تأتي في لحظة تتقاطع فيها الضغوط السياسية والإنسانية والعسكرية.

 

من تعدد المبادرات إلى محاولة تنسيق المسارات

خلال السنوات الماضية، شهد الملف السوداني تعددًا في المبادرات والوسطاء والمنصات، وهو ما أدى أحيانًا إلى تداخل المسارات وتباين أولويات الأطراف الدولية والإقليمية.

 

أما التطور اللافت في 2026 فهو محاولة إيجاد قدر أكبر من التنسيق بين هذه المسارات.

 

فالآلية الخماسية تجمع المنظمات الدولية والإقليمية الرئيسية المعنية بالسودان، بينما تضم «الرباعية» الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، وقد أكدت الخماسية أنها تنسق مع الرباعية وشركاء دوليين آخرين بهدف الدفع نحو مسار سياسي أكثر اتساقًا.

 

ومن ثم، فإن أهمية الحراك الحالي لا تكمن فقط في عدد الوفود التي زارت الخرطوم، وإنما في محاولة ربط المسار السوداني الداخلي بالمسارات الإقليمية والدولية.

 

لكن السؤال الأصعب: هل يتحول الزخم إلى مسار سياسي؟

المؤشرات الحالية تؤكد وجود كثافة دبلوماسية أكبر حول السودان، لكنها لا تعني وحدها أن تسوية سياسية باتت قريبة.

 

فالآلية الخماسية نفسها تتحدث عن استمرار المشاورات، بينما لا تزال الحرب مستمرة، ولا تزال القوى السياسية مختلفة حول طبيعة الحوار ومشاركة الأطراف فيه.

 

وفي المقابل، فإن طلب السودان من إيجاد دعم الحوار الداخلي، وعودة المنظمة إلى الخرطوم، ثم مشاركتها في الآلية الخماسية، كلها عوامل تفتح قناة إقليمية مباشرة يمكن أن تلعب دورًا في دعم العملية السياسية.

 

ويبقى الاختبار الحقيقي أمام هذا الحراك هو القدرة على تحويل اللقاءات والبيانات والمشاورات إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ بشأن وقف القتال، حماية المدنيين، وتشكيل مسار سياسي يحظى بمشاركة سودانية أوسع.

 

فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، لم تعد المشكلة في نقص المبادرات بقدر ما أصبحت في قدرة هذه المبادرات على الالتقاء حول مسار واحد، وفي مدى استعداد القوى السودانية نفسها للتوافق على شكل العملية السياسية ومخرجاتها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة