في قلب الأراضي المقدسة، وأمام أبواب المسجد النبوي، تتجلى مشاهد روحانية ساحرة تخطف ألباب الزائرين والمعتمرين القادمين من كل فج عميق؛ أسراب متناغمة من الطيور تحلق في أمان تام، وتهبط بثقة واطمئنان بين أقدام الطائفين والراكعين، تشكل لوحة فنية ربانية يتمازج فيها البيض والأزرق بالرمادي الداكن. إنه "حمام الحمى"، الطائر الذي أضحى رمزاً حياً للسكينة والسلام، وجزءاً أصيلاً لا يتجزأ من ذكريات كل من وطأت قدمه بيت الله الحرام.
جولة ميدانية لـ "اليوم السابع" في ساحات الحرم
خلال جولة ميدانية موسعة أجراها "اليوم السابع" في الشوارع والساحات المحيطة بالحرم، خاصة في منطقتي المسفلة وجسر الحجون وشارع إبراهيم الخليل، وفي المدينة المنورة برزت مشاهد إنسانية وروحانية فريدة تعكس حجم الارتباط الوثيق بين ضيوف الرحمن وهذه الطيور الآمنة.
المشهد العام في الساحات يتعدى كون الظاهرة مجرد تجمع لطيور جائعة؛ بل هو طقس إيماني متوارث يمنح المكان بعداً جمالياً لا يخفى على عين.
تتزاحم العائلات، مصطحبة أطفالها، لالتقاط الصور التذكارية ومقاطع الفيديو مع الحمام الذي يتحرك بين الجميع دون خوف أو وجل، وكأنه يدرك أمان المكان وحرمته الدينية.
الأطفال بضحكاتهم البريئة يمدون أيديهم الصغيرة المحملة بحبات القمح والذرة، ليتهافت عليها الحمام في وداعة تامة تنشر البهجة والفرح في نفوس الحاضرين.
روايتان تراثيتان في أصل حمام الحمى
ويمتد الارتباط بهذا الحمام إلى الموروث الثقافي والتاريخي للأمة الإسلامية؛ حيث تتردد بين ألسنة الزوار والمؤرخين روايتان تاريخيتان تفسران أصل وجود هذه السلالة المتميزة في البلد الحرام.
تذهب الرواية الأولى إلى أن أصل هذا الحمام يعود إلى سلالة "الطير الأبابيل"، التي أرسلها الله سبحانه وتعالى لحماية الكعبة المشرفة من جيش أبرهة الحبشي، فتوارثت الأجيال نسلها عبر القرون لتظل حارسة وشاهدة على حرمة البيت العتيق.
أما الرواية الثانية والأكثر شيوعاً وتداولاً بين عموم المعتمرين، فترجع أصل هذا الحمام إلى حمامتي "غار ثور"، اللتين عششتا على باب الغار لحماية النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبا بكر الصديق أثناء الهجرة النبوية الشريفة.
وتذكر الروايات التراثية أن الجائزة الإلهية لهاتين الحمامتين كانت أماناً أبدياً لهما ولذريتهما في رحاب مكة المكرمة، حتى بات صيدها أو تنفيرها محرماً بحكم الشريعة.
حكاية حب خاصة تجمع المصريين بـ حمام الحرم
ولعل أبهى ما ترصده العين في ساحات مكة، هو تلك العلاقة الاستثنائية التي تجمع بين المعتمرين المصريين وحمام الحمى، فالمصريون لم يكتفوا بقطع مسافات طويلة لأداء المناسك، بل حملوا معهم من القاهرة ومختلف المحافظات أكياس القمح والحبوب، حرصاً منهم على إطعام الحمام فور وصولهم إلى الأراضي المقدسة.
تراهم ينتشرون في الساحات الخارجية ينثرون الحبوب وهم يرددون أهازيج وأغنيات شعبية ودينية ورثوها عبر الأجيال، مثل قصيدة "فوقنا حمام الحمى عدد نجوم السما" التي شدّت بها كوكب الشرق أم كلثوم من كلمات الشاعر بيرم التونسى، أو أغانٍ شعبية تعبر عن الشوق لرسول الله.
هذه العلاقة الوجدانية تجعل من مشهد إطعام الحمام بالنسبة للمصريين جزءاً من العبادة والتقرب إلى الله بالرحمة والرفق بالحيوان في أطهر بقاع الأرض.
خصائص مميزة وقوانين حماية إلهية
يتميز حمام الحمى بخصائص شكلية وسلوكية تجعله يختلف عن باقي أنواع الحمام في العالم؛ حيث يتميز بلون أزرق ناصع يتدرج نحو الرقبة والجناحين، مع وجود خطين أسودين على الأجنحة والذيل يمثلان علامة فارقة لنسله.
كما يذكر المؤرخون وسكان مكة والمدينة المنورة من عجائب هذا الحمام أنه لا ينزل على أستار الكعبة ولا يترك مخلفاته عليها، احتراماً وتوقيراً لبيت الله.
وينعم هذا الطائر بحماية شاملة لا توفرها له أي قوانين وضعية؛ إذ تحرم الشريعة الإسلامية صيده أو تنفيره أو إيذاءه في حرم مكة.
وقامت السلطات في المملكة العربية السعودية بتوفير مرافق وأبراج خاصة لتغذيته ورعايته في عدة مناطق، مما أسهم في تكاثره وازدياد أعداده بأمان تام.
رسالة سلام وسكينة للعالم
يتجاوز حمام الحمى كونه طائراً أليفاً يعيش في ساحات مكة، ليغدو رسالة سلام سامية تنطلق من المسجد الحرام إلى كل أنحاء العالم. إنه يذكر المعتمر والزائر بضرورة بث السلام والرحمة في النفوس والمجتمعات، ويؤكد أن الطمأنينة الحقيقية تبدأ عندما يأمن كل كائن حي في رحاب الله.